إعلان

إرهابيو مجزرة الروضة.. من نجا من القتل اختفي في دروب الصحراء الوعرة

10:30 م الثلاثاء 28 نوفمبر 2017

دروب الصحراء الوعرة

كتب - عبدالوهاب عليوة ومها صلاح الدين:

 

تقع قرية الروضة التابعة لمركز بئر العبد بشمال سيناء بين اتجاهي الطريق الدولي (العريش ـ القنطرة) وسط منطقة صحراوية ممتدة على مرمى البصر، بين مدينتي العريش وبئر العبد تظهر على أطرافها بيوت بدائية، شُيدت جدرانها من الخوص، يقتصر الجزء المسقوف من هذه البيوت المتشابهة في الشكل والنشأة على غرفتيي (نوم واستقبال)، يفصلهما عن السماء (سدائب خوص) تظهر فوقها طبقة خفيفة من مشمع بلاستيكي، لحجب مياة الأمطار، بينما باقي المنزل سقفه السماء وهو عبارة عن حوش صغير في نهايته يقع حمام ومكان مخصص للطبخ وغرفة ثالثة بها حصيرة بلاستيكية أمامها حفرة مستطيل، تُستخدم كموقد للتدفئة وأحياناً في تجهيز الطعام.

من بين هذه العشش؛ تسللت 4 سيارات دفع رباعي، ماركة تويوتا لاند كروزر، وتحديداً من خلف حي الرحماني، المعروف بين قاطنيه باسم "الفلوجة"، ووفقاً لشهادة أحد قاطني الحي الذي يقطنه مهاجرون ينتمون لعائلات تتبع قبيلة السواركة على مساحة لا تتجاوز الكيلو متر من الطريق الدولي.

IMG_20171125_132304[1]

أغلب سكان هذه العشش التي تقع في مواجهة قرية الروضة من الجهتين هم مهاجرون من مدينتي رفح والشيخ زويد بالإضافة إلى مناطق جنوب العريش وتحديداً منطقة المطار، بعضهم هرب من الحرب التي تشنها الدولة على الجماعات الإرهابية هناك منذ 4 سنوات وآخرون أُجبروا على ترك أماكنهم والإقامة في صحراء مدنية بئر العبد.

قصة التبة

الظهور الأول للمُسلحين يوم الجمعة الماضية كان في الحادية عشرة صباحاً، بحسب رواية شاهد العيان من أهالي الحي، تمركزوا فوق تبة مرتفعة تقع خلف العشش المتناثرة بطول الطريق، الوقوف فوق هذه الهضبة المرتفعة التي تتواجد فوقها شجرة غير مثمرة ذات أوراق خضراء كثيفة، يكشف حركة المرور على الطريق الدولي في الاتجاهين القادم من العريش والذهاب إليها، وكذلك بنايات قرية الروضة والعشش المتفرقة المتواجدة في مواجهتها، بما فيها مبنى إحدى المنشآت الأمنية.

1511607760294

من فوق الهضبة أيضاً يظهر مسجد الروضة مرتفعاً بوسط القرية، حيث حرصت الطريقة الجريرية الأحمدية الصوفية على تشييده في أبهى صوره، على عكس بيوت الأهالي التي تتسم بالبساطة ويُحاوط المسجد من جميع الجهات، تتشابه هذا البنايات في ارتفاعها الذي لايتجاوز الطابق الواحد، ويلحق بكل بيت حوش صغير يحدد أبعاده جدار من الخوص، بينما جدران البيت نفسه مبنية من الطوب الجيري الأبيض والسقف من الخرسانة المسلحة، وعدد محدود من البيوت تكسو جدرانها طبقة أسمنية (محارة) وعدد آخر أقل يمكن حصرة على أصابع اليدين، استخدم أصحابها الدهانات التقليدية على وجهات منازلهم المتراصة على شوارع ترابية فسيحة.

مع بداية خطبة صلاة الجمعة تحركات العناصر المسلحة باتجاه القرية، ونفذت المجزرة التي راح ضحيتها أكثر من 400 شخصاً ما بين شهيد ومُصاب، وأحرقوا 8 سيارات، 6 سيارات منهم تابعة للأهالي وسيارتين إسعاف ودراجة نارية وعادوا مجدداً إلى حيث جاءوا وكان آخر تواجد لهم في محيط المنطقة خلف حي الرحماني بعدها اختفوا بعيداً عن الأنظار، ليبقى السؤال إلى أين ذهبوا؟.

تحرك العناصر التكفيرية بالاتجاه الشرقي الجنوبي للحدود المصرية براً بسيارات الدفع الرباعي، يضعف من احتمالية هروب المسلحين بحراً عبر بحيرة البردويل الممتدة على مساحة 130 كيلو متراً، حيث يظهر شاطئها على بعد 100 متر من الطريق الدولي، يقول مسعود شريف أحد الصيادين العاملين على مركب صيد صغيرة، مضيفاً بقوله "البحيرة مكشوفة ويسهل رصد أى تحركات بها خاصة في الجزء القريب من مدينة بئر العبد التي تنشط فيها عملية الصيد، ولم يسبق أن شهدت البحيرة أي تواجد للمسلحين منذ عام 2014 وحتى اليوم".

العناصر المسلحة ليس لها مكان محدد أو ثابت، وتتحرك من مكان إلى آخر، وربما تتنقل في اليوم الواحد بين أكثر من مكان وفي مجموعات منفصلة، بحسب أحد الفارين من جنوب مدنية الشيخ زويد إلى مدينة بئر العبد، مُرجعاً ذلك إلى خبرتهم بالمناطق الصحراوية بوسط وشمال سيناء، وهو نفس الأسلوب المتبع من عناصر التنظيم منذ استهدافهم لخطوط الغاز عام 2011، لكنه أصبح أكثر تعقيداً بحكم التضييق الأمني عليه.

أبناء شيوخ القبائل والتنظيمات الإرهابية

يتواجد بين العناصر المسلحة التابعة للتنظيم داعش عدد من أبناء القبائل التي لها تواجد بهذه المناطق الجغرافية ومنهم من كانوا مقربين من مشايخ الطرق الصوفية وأتباعها، مثل أبناء الشيخ الصوفي سليمان أبو حراز الذي قتله التنظيم العام الماضي، وكان أبناءه الثلاثة يعيشون معه في منزل بمنطقة المزرعة جنوب مدينة العريش، قبل اعتناقهم الفكر التكفيري وفقاً لشهادة اثنين من أهالي قرية الروضة، كذلك أحمد حمدان أبو جرير الذي يتبع والده وأعمامه الطريقة الصوفية في العريش وبئر العبد، ولكنه أصبح أحد أعضاء التنظيم ويُكفر أهله.

IMG_20171125_132257[1]

جغرافيا المكان وتضاريسه خلف حي الرحماني تظهر بها كُثبان رملية وتلال متوسطة الارتفاع، تلمحها أثناء تحرك على الطريق الدولي، ووفقاً لأحد أهالي الحي تمتد هذه الكُثبان الرملية على مساحة تصل إلى 15 كيلومتر، وتعتبر هي المنطقة الأصعب في طريق السيارات "العربيات رغم قوتها بتغرز في الرمال" بحسب قول المصدر، يتم التغلب على هذه العقبة بالسير في مدقات تكون فيها الرمال أكثر صلابة، بعدها تظهر مناطق رمال صخرية، تتدرج فيها الصخور كما تقدمت فيها السيارة أكثر تظهر صخور ذات حجم أكبر، حتى تصل إلى مناطق جبلية. 

ووفقاً لأحد المصادر الأمنية بأحد الكمائن الأمنية المتمركزة على مدخل مدينة بئر العبد، هذه المناطق يصعب تمشيطها براً نظراً لطبيعتها الوعرة ومساحتها الشاسعة، ويتم السيطرة عليها ورصدها من خلال الغارات الجوية بصورة شبة يومية.

ويزيد من صعوبة حملات التمشيط لهذه المناطق الصحرواية الوعرة، وفقاً للمصدر الأمني عمليات التلغيم التي يلجأ إليها مجموعات التنظيم، حيث يتم زرع العبوات الناسفة على بُعد مسافات قريبة من المكان الذي يقبعون فيه، كأحد أساليب التأمين التي يلجؤون إليها.

IMG_20171125_115316[1]

العناصر التكفيرية التي نفذت الهجوم تباينت روايات الأهالي حول عددها ما بين 15 إلى 40 شخص، لكن أغلبها اتفقت على اختفائها في الصحراء، والتأكيد أنها لم تبتعد عن مكان المجزرة التي وقعت في قرية الروضة، كما حدث في واقعة استهداف رتل لقوات الشرطة في منتصف سبتمبر الماضي، بمنطقة الملاحات التي تبعد عن القرية مسافة 4 كيلو متراً، اختفت بعدها العناصر الإرهابية في قلب الصحراء، كما حدث في مجزرة قرية الروضة. 

التحذيرات من عودة العناصر الإرهابية مجدداً تتكرر في حوارات الأهالي، رغم قيام قوات الأمن بتصفية عدد من المتورطين في الهجوم بالقصف الجوي والدفع بـ 4 مدرعات لتأمين القرية من تكرار أي محاولة أخرى للهجوم، هو ما حذرنا منه أحد أهالي حي الرحماني من الذهاب إلى نهايته خوفاً من عودتهم في أي وقت.

الخوف وربما القهر يُجبر أهالي القرية على الصمت وعدم الحديث مع أي شخص في أي موضوع، والإجابات معظمها مقتضبة، ولا يوجد بها معلومة متكاملة أو تفاصيل، باستثناء عدد محدود من الأهالي يتحدثون على انفراد وليس أمام أحد من الأهالي بشرط إخفاء الهوية.

 

فيديو قد يعجبك: