إعلان

المال والشريك والخيانة.. وأشياء أخرى

د. براءة جاسم

المال والشريك والخيانة.. وأشياء أخرى

د. براءة جاسم
09:51 م السبت 04 مايو 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

"اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب".. "خبي قرشك الأبيض ليومك الأسود".. "هين قرشك ولا تهين نفسك".. "البحر يحب الزيادة".. "حافظ على مالك يزيد النُّص".. "من عان شيئًا قالَ له الزمانُ هاتِه".. وغيرِها الكثيرُ من الأمثلةِ المتضاربة، ولكنها تعكسُ فلسفةَ وثقافةَ كلِّ مجتمعٍ عن المال، فالمالُ محرِّكٌ مُهمٌّ جدًا في العالم أجمع سواءٌ شئنا أم أبينا، وكذلك في العلاقات عامةً وفي العلاقةِ بين الشريكين خاصة، فهناكَ من يرتبطُ من أجل المال، وعلاقاتٌ تستمرُ أو تنتهي من أجلِه، يقاسُ حجمُ نجاحِ أحدهم به، وبعضُهُم يقيسُ حجمَ حبِّ أحدهم له به، فهذا اشترى لي كذا، إذًا فهو يحبّني، وقد يكون المالُ وسيلةً لبعضِهم لإثبات أو للتعبير عن حبهم، كشراء منزلٍ.. سيارة.. تأمين مستقبل من يحب.. إلخ.

وقد كانت الأسبابُ الماديةُ وما زالت تتصدّرُ المراتبَ الأولى لأسباب الطلاق.

وتعتبرُ بعضُ مدارس العلوم الإنسانية أن الحديثَ عن المادة بين الشريكين أصعبَ من الحديث عن العلاقة الحميمية، وقد خلُصت بعضُ الدراسات بأنَّ المرأةَ -في اللاوعي- تنتظرُ لترى كمْ يصرفُ الرجلُ عليها كمقياسٍ لأهميَّتها لديه، ومثالٌ على ذلك في بداية العلاقة فهي تنتظرُ منه أن يصرفَ لتحدِّد مدى حبِّه لها وكرمِه معها أو العكس... إلخ.

وقد يكمُنُ التعقيدُ في الحديثِ عن المالِ بين الطرفين بأنه يُظهِرُ الاختلافات في قيمِ الطرفين وتربيتهما، كبعض الأمثلة التي ذكرت في بداية المقال فقد تكون الزوجة تؤمن بـ "اصرف ما في الجيب..." والزوج يقول: "خبي قرشك الأبيض.." فتُتَّهم هي بالإسراف، بينما يُتَّهمُ هو بالبخل أو العكس، فتنشأ بينهما خلافاتٌ كثيرة، كما أن هناكَ أمورٌ دفينةٌ مزروعة داخلَ كلٍّ منهما، فمثلًا تؤمنُ بعضُ الزوجات أنها يجبُ أن تُنفقَ الكثير وألا تسمح لزوجِها باكتنازِ ما يزيد عن حاجته من المالِ حتى لا يُغيِّرهُ المال إذا ما أصبحَ ثروةً لديه فيتزوجَ غيرها مثلًا، وفي المقابل فإنَّه -أي الزوج- تربَّى ونشأ على أن الزوجة لا يجب أبدًا أن تكونَ على علمٍ بمصادِر وحجمِ دخلِ زوجها لأنها مسرفةٌ بطبيعتها. أضف إلى ذلكَ أنَّ من ينفِقُ عادة هو صاحبُ الرأي والكلمة والمسيطرُ في العلاقة، مما يؤدي إلى حدوثِ خلافاتٍ كثيرةٍ بين الطرفينِ بسببِ شعورِ الآخرِ بأنَّهُ الحلقةُ الأضعف، وسأستثني بعضَ الفئات التي تعملُ، كالمرأة العاملة في المنازل بينما يتحكمُ بها زوجُها العاطلُ فيحصلُ على راتبها، والأمر هنا يحتاجُ إلى تحليلٍ من نوع آخر لا يتَّسعُ له المقال.

وهناكَ مصطلحٌ يطلقُ عليه "الخيانة المالية"، فهل تخونُ النساءُ الرجالَ ماديًّا؟ تقول الإحصائياتُ بأنَّ حوالي٦٠% من السيدات لديهِنَّ حساباتٌ سريةٌ أو مبالغَ لا يعلمُ الشريكُ عنها شيئًا، ولكن من الملفِت أيضًا بأن المرأةَ حين يتعرضُ شريكُها أو منزلُها إلى حدثٍ مّا يستدعي أن تتدخل، فهي تسارعُ ولا تتردَّدُ في استخدام مدَّخراتِها.

ولكن في رأيك، ترى هل نسبةُ الخيانة المالية لدى الرجل أعلى أم لدى المرأة؟

ضغوطُ الحياةِ تزدادُ يومًا بعد يوم، وعلينا إعادةُ النظرِ في تنشِئة الأجيالِ فيما يتعلَّقُ بالماديات، وعلى الشريكين أن يتحدَّثا عن الأمور المادية وأن يضعا أسسَ حياتهما قبلَ الإقدامِ على الزواج، وأن يكونَ حديثَهُما قائمٌ على المشاركة بصيغة الجمع وليس التفرُّد، فالفارقُ شاسعٌ بين كلمة "مالي ومالُك" وكلمة "أموالُنا"، فالبيت سيكونُ "بيتُنا" لأنها "حياتُنا" ، وعلى ذلك تكونُ القراراتُ مشتركةً بينهُما، وليستْ قائمةً على الغَلَبةِ لصالح أحدِهما على حساب الآخر، وعلينا أن نتعلَّم ألَّا نقلِّل من شأن الشريك صاحب الدخلِ الأقل، أو ذلك الذي حكمتْ عليه ظروفُهُ بألا يعمل، كما يجبُ تحديدُ مبلغٍ لكلٍّ من الشريكين يحق لهما الإنفاق منه دون الرجوع إلى الآخر.

إعلان

إعلان

إعلان