إعلان

 الأشياء تتداعى في وصايا الأسلاف

محمود الورداني

الأشياء تتداعى في وصايا الأسلاف

محمود الورداني
09:01 م الخميس 28 فبراير 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

انتبهتُ مبكرا لعادل عصمت، وخطفتني إحدى رواياته الباكرة وبادرتُ بالكتابة عنها. وعندما بحثتُ عما كتبته وأنا أقرأ الوصايا الصادرة عن دار الكتب خان، فشلت في العثور عليه، وعموما كتابة عصمت آسرة وأشعر تجاهها بأواصر تربطني بها. أريد أن أقول باختصار إن صعود الوصايا للقائمة القصيرة للبوكر ليس الدافع وراء القراءة التي أقدمها هنا، ليس تقليلا من شأن الجائزة التي سبق أن لفتت نظري لروائيين مهمين خصوصا السنعوسي وعزيز محمد ومحمد حسن علوان وغيرهم.

لا أريد في هذه القراءة السريعة أن أصنّف الوصايا، هل هي رواية أجيال مثلا؟ ربما كانت كذلك من حيث اتساعها لثلاثة أجيال، فضلا عن إشارة عابرة للجد الأكبر الذي سبق له أن ضيّع الأرض، ليس لـ"غفلته" كما ورد في الرواية بل لـ"طيبته". على أي حال، الوصايا رواية كبيرة حقا جيدة التشييد، بناها الكاتب بصبر وتؤدة حجرا فوق حجر، مستمدا إلهامه من تقاليد الرواية الكلاسيكية العظيمة، ومعتمدا على أبسط الحيل الروائية. وإذا كانت اللغة متقشفة -عمدا- فإن حيل الكاتب لا تتجاوز الاعتماد على الراوي الذي يحكي جانبا من الرواية، ثم ضمير الغائب الذي يحكي جانبا آخر، واستخدام البُنط الأسود في وصايا الجد لحفيده، وأخيرًا الفواصل داخل الفصول ذاتها..

هذه أيضا رواية الشخصيات الكبرى التي ينسج الكاتب تفاصيلها بمحبة ورهافة تليق بها، أخلص لها وأكاد أقول قادته ولم يقدها هو لبناء هذا العمل المترامي، والذي لم يفلت من الكاتب بل كان قادرا بوصفه كاتبا كلاسيكيا على السيطرة عليه. ويستطيع القارئ أن يحصي أكثر من عشر شخصيات تحركت على مدى زمني يمتد لعدة عقود استغرقت نحو ثلاثمائة صفحة.

أكاد أقول أيضا إنها تعيد الاعتبار للتقاليد الكلاسيكية والحكاية الإنسانية والمآسي الكبرى.. رواية الهزائم والأفراح والانتصار لما غاب كثيرا عن الروايات الجديدة: أي رواية تشتبك مع الدنيا وتعبر عنها، وفي الوقت نفسه حريصة على الابتعاد عن الغنائية والعاطفية والتورط عالي الصوت. رواية العالم الذي يتداعى ولا تفلح وصايا الجد في وقف انهياره حسبما يكتشف الراوي.

الوصايا ببساطة هي تعاويذ الجد لحفيده مثل "خلاصك في مشقتك"، و"إياك والعمى"، و"المتعة عابرة كالحياة"، و"كن يقظا وقت الأفراح"، و"تنتهي بالوصية العاشرة" أعظم الفضائل في التخلي".

تنهض الرواية جيدة التشييد والبناء -أكرر- على هذه الوصايا، وتصبح تعاويذ من خلالها تنمو الأحداث، ويحكي الجد –الشيخ عبدالرحمن سليم- كيف قاد السفينة واستعاد الأرض وزرع وحصد وبنى وزوّج الأبناء الذين أنجبوا له أحفادا. وفي ذروة مجده يقرر التخلي عن كل شيء بلا استثناء بعد أن طالب أحد الأخلاف بنصيبه.. هنا يحدث الانفصام الذي لا يريد الجد أن يشهده فيقرر التخلي لأنها أعظم الفضائل، وما يلبث أن يموت.

يمتلك عادل عصمت رهافة الروح، وعلى الرغم من الكثير من العنف الذي تنطوي عليه الرواية، إلا أنه يمضي بسلاسة (أقصد بالتحديد بلا كلكعة)، ويتوقف على الحافة قبل التورط في التعاطف، يتيح لشخصياته أن يتنفسوا على هواهم ويمضوا في طريقهم. وإذا كان الشيخ عبدالرحمن مثلا يقود السفينة، فإن الشخصيات النسائية لا تقل عنفوانا، فهن الحارسات الحافظات الحاميات باقتدار. وليست صدفة مثلا أن تختلس فاطمة جلباب أخيها الذي دُفن في مقابر غريبة على طريق الفيوم، ولا تستريح قبل أن تدفن الجلباب في مقبرة القرية بين ذويه.

لم تفلح التعاويذ في منع الانهيار وتقّوض دعائم العالم القديم.. الجميع غادر القرية وتفرقوا في الأرجاء، حتى الدار تداعت وأغلقت وكان آخر المناسبات التي فُتحت فيها يوم وفاة العم صالح في 13 مايو 2008.

على أي حال بقيت العمة فاطمة تفتح الدار وتهوّيها بين الحين والآخر.

شكرا لعادل عصمت على المتعة الصافية.

إعلان

إعلان

إعلان