صحافة جنب الحيط

صحافة جنب الحيط

محمود الورداني
09:00 م الخميس 13 سبتمبر 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

ضبطتُ نفسي وقد مرّ عليّ أكثر من أسبوع دون أن أتذكر أنني لم أفكر في قراءة أي جريدة من الجرائد، وتكرر هذا الأمر عدة مرات. وعندما أمرّ على بائع الصحف القريب من بيتي في الشيخ زايد بحكم العادة، فقد توقفت عن شراء الصحف منذ عدة سنوات، أتحسر على عشرات العناوين لصحف حكومية وخاصة ربما تسمي نفسها مستقلة، لكنها جميعا لا تجد من يشتريها وسوف تعود مرتجعًا.

لا أحد يمكنه تجاهل أزمة الصحافة المستحكمة. حتى نقيب الصحفيين اعترف بها، لكنه أرجعها إلى ارتفاع أسعار الورق بنسبة 90 بالمائة. أما تقديرات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء فتشير إلى أن عدد النسخ الموزعة للصحف محليا وخارجيا بلغ ما يزيد قليلا على الستة ملايين عام 2016، وانخفض عن العام السابق 2015 بمعدل يومي 1,4 مليون، علما بأننا نتحدث عن أكثر من 100 مليون مصري، من المفترض أن يقرأ الصحف منهم 20 مليونا على أسوأ التقديرات.

ولا يبدو في الأفق ما يشير إلى إمكانية تجاوز هذا الوضع المتردي للصحافة، بل على العكس يزداد الأمر سوءًا. وإذا كانت الصحافة لدينا حكومية وندللها أحيانا ونسميها قومية، وخاصة ندللها أحيانا ونسميها مستقلة، فإن أوضاع الأولى بالغة السوء. ومنذ خطيئة تأميم الصحافة في أوائل الستينيات من القرن الماضي أصيبت في مقتل، وها هى تدفع الثمن بعد مرور ستين عاما

لا يخفى على أحد أنها أصبحت عبئا. ووصولها إلى هذا الوضع ليس مسؤولية الزملاء الصحفيين ولا حتى العاملين بالمؤسسات الصحفية. إنها ببساطة بسبب انفضاض القراء عنها، والانفضاض سببه تدني سقف الحرية، وتحوّل تلك الصحف إلى أبواق تدافع عن إجراءات وسياسات الحكومة وتخليها عن التقاليد المهنية في النشر.

تشكلت – كما هو معروف - هيئة وطنية للصحافة والإعلام ولم تتحسن أوضاع الصحافة أو الإعلام، وتتدخل الحكومة دائما لمساندة الأوضاع المالية السيئة للصحافة، ولو تخلت الحكومة ربما لن تستطيع الصحف القيام بالحد الأدنى أي إصدار الصحيفة وتدبير المرتبات. ولو افترضنا أنه تم زحزحة سقف الحرية قليلا حتى يصدقها القارئ ويقبل عليها، فإن الصحافة عموما في ظل عدم وجود قانون يلزم كل المؤسسات والأجهزة والمصالح بالشفافية وإعلان كل الحقائق باستثناء ما يتعلق بالأمن القومي، مضطرة للتخبط والفوضى على النحو الموجود حاليا.

أخشى أن أقول إن الصحافة الحكومية مضطرة للمشي جنب الحيط.
ولما كان معروفا أن الإعلانات هى السند الحقيقي في اقتصاديات الصحف، فالمتوقع هو تفاقم أزمة الصحافة الحكومية في ظل التراجع المخيف في الإعلانات.
وهنا من المهم الإشارة إلى أنه لا علاقة بتوافر النشر الإلكتروني الذي يستطيع دائما أن ينقل الخبر لحظة وقوعه، بتراجع الصحافة الورقية بشرط توافر الحرية. الحرية مسؤولية وليست فوضى ومن يتجاوز أو يكذب أو يدلس من الممكن سن القوانين لردعه، بشرط سن قوانين موازية تكفل الشفافية وتوفير المعلومات.
أما الصحافة الخاصة التي ندللها ونسميها مستقلة، فالمثير للدهشة أن سقف الحرية فيها لا يختلف عن الصحف الحكومية، وتعاني شأنها شأن الصحف الحكومية من تدني أرقام توزيعها وانصراف القارئ عنها، وربما كان سبب وجودها شبه الوحيد الدفاع عن أصحابها. وفي هذا السياق تختلف صحيفة المصري اليوم تحديدا، فهى الأعلى توزيعا، وسقف الحرية فيها مرتفع قليلا، كما أنها الأكثر التزاما بالتقاليد المهنية، ولكن إقالة رئيسين للتحرير فيها على التوالي وفي غضون شهور قليلة دون شفافية وعلى نحو غامض مهما كانت المبررات المعلنة تشير إلى أن أوضاع الصحافة جميعها سيئة للأسف.

إعلان

إعلان

إعلان