الشعب يحارب ظاهرة التسول

الشعب يحارب ظاهرة التسول

عادل نعمان
09:00 م الإثنين 10 سبتمبر 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

هي ظاهرة اجتماعية طافية على السطح من قديم الزمان، لكنها قد غطت وفاضت وحجبت الرؤية في بلادنا، وزادت مساحتها على الحد المقبول، وطفحت على السطح، وأصبحت على دائرة النظر، وبطول العين وعرضها، لا تنقطع الرؤية عنها، تدور معها في كل مكان وزمان، الراقي منه ومتوسط الحال والبسيط، ليل نهار، ولم يعد يحول بين الأماكن كلها والمتسولين حائل أو مانع، وأصبحت مخترقة وآهلة بهم، وما تركوا مكانا إلا جلسوا فيه، فهذه تحمل طفلا مريضًا عليلًا شاحبَ الوجه، ولو كان ابنها ما تركته جائعا منهكا على هذه الصورة، وتلك تحمل روشتة علاج بالية صرفتها من قبل عشرات المرات ومريضها سليم معافى، وهذا جليس بلا حراك، وذاك برباط العمى على عينين أو عين واحدة، وهذه منتقبة، وتلك نصف سفور، وهؤلاء بالكوم من عمال النظافة لا يكنسون ولا ينظفون، وعيونهم على قائدي السيارات يرمون بلاهم، دون حياء أو خجل.

وزاد الأمر سوءا وحرجا وخجلا هذه الأعداد الغفيرة التي تلاحق السياح في الأماكن السياحية ولا أحد يتحرك، ليرفع عنا هذا الغسيل القذر الذى ينشرونه على عين كل السياح والأجانب، والكل كاذب ومخادع ومدلس وغشاش ومحتال، والناس تستجيب وتراها صدقة جارية، تدفع المصائب والابتلاءات عن الطريق، وتطفئ غضب الله، وتبارك في المال والولد، لكنها ليست كذلك، وليست في محلها أو موقعها، كما أنه ليس من الإخلاص لنفسك ولله ألا تتوخى الدقة في صرف الصدقة، وتتركها في رقبة غيرك، فأنت مسؤول عن وصولها لمستحقيها، وليست كمن قال إنها خرجت وعلى المخادع الذى أخذها وزر كذبه وخداعه.

لا يا سيدي، أنت شريك في هذه الخدعة، ومساهم في استمرارها ونموها وزيادتها، فلو أصلحت الأمر باليقين في صرفها، لصلح حال الناس وحال الجميع، ولو أفسدته بتكاسلك هذا وعدم اهتمامك في صدق صرفها لفسد حال الناس وحال الجميع، ومن أفسدهم الناس أيضا. هل نحن متفقون أولا حول هذا؟

إذا كنت على اتفاق، فلنكمل المقال معا.

والسؤال ما دورك الفعال في محاربة هذه الظاهرة والمساهمة في الخلاص منها؟ نتفق أولا أن الدولة عليها دور في مطاردتهم والقبض عليهم، لكن أمر إخلاء سبيلهم ميسور وسهل وعودتهم إلى محال تسولهم مضمون ومحجوز ومفروش وجاهز، وهذا لا يترك لها مجالا للإصلاح، ولو أضفنا إلى هذا ميوعة واستهتار وحرج التعامل مع كل ظواهرنا السلبية، لجعلنا نؤكد أننا اولى من الغير في حلها حتى لو كان هذا الغير هو الحكومة بجلال قدرها وقدرتها وسلطانها، والذي إذا استدعته فورا لأمر سياسي أو إلى طلب رئاسي، لاستجاب أصحاب الشأن ولبوا، وقسوا وشدوا على الناس إلا في هذه الأمور.

وهذه الظاهرة بذاتها لو تركناها للدولة، فلن تتحرك فيها بأكثر مما قلناه، ولن يجدي علاجها أو تقويمها، إلا مسؤولية توفير فرص عمل في شتى المجالات، ليس للتخلص من هؤلاء المتسولين، بل لعدم انضمام فئات جديدة إليهم، فمن جربها منهم استهوته، وسيطرت عليه بمكسبها الوفير وثرائها السريع لن يقرر يوما تركها. الحل يا سادة بسيط ومربح ونستطيع القضاء عليها دون الحاجة إلى الدولة، وهو ببساطة ألا تضع يدك في جيبك، ولا تمنحهم عرقك وحق أولادك، وحتى لا تقع في شراكهم وبراثنهم لا تلتفت إليهم، وأمضى إلى حال سبيلك، حتى لا يستدرجك أحدهم، وتقع فريسة لخداعهم، مرة تلو الأخرى ستتخلص من هذا الأمر، وتستنكر يوما قد ساعدت فيه مثل هؤلاء، فإذا ما عرفت أن أقلهم شأنا ربما يحقق في اليوم ما تعجز عنه في تحصيله وتجميعه في أسبوع من العرق والجهد والعمل، عندها فقط ستلعن اليوم الذى هزك فيه أحدهم، أو أثر فيك، أو تسبب لك للحظة في وجع القلب، واعلم أن تأثيره عليك مرهون بمدى ما يحققه من مزاعم المرض والفقر والذلة والمسكنة والمهانة والضعف، فلو رأيته في غير موضعه هذا، ربما تراه في حال أحسن من حالك، وتندم كثيرا على لحظة استجبت فيها لهوانه وحاجته، فمعظمهم إما يكنزون هذه الأموال إلى مماتهم، ومنهم من ينفقها على المخدرات والهلس.

يبقى لديك سؤال:

وأين ما تنفقونه من أموال الخير، مما فاض عن حاجة أولادكم؟

أقول: كل منا في محيطه يعرف المحتاج الفعلي، أو من الأصدقاء أو المعارف أو الأقارب، فهم أولى بهذا، ومن المستشفيات والمراكز الطبية ذات الصلة، وأكرر ذات الصلة بالعمل الخيري الصادق الأمين، وغيرها كثير، وليس أسهل عليك من السؤال عن المحتاج الحقيقي الذي مال الزمن عليه، وغدر به، ولا يسألون الناس، ويكتفون بمن يعرف حالهم عن قرب، ويقبلون المساعدة والعون على مضض وعلى استحياء وتعفف، فإذا كلفت نفسك السؤال ستفتح لك أبواب هؤلاء، وتراهم عن قرب، فربما يقطنون بجوارك، ولا تدري.

هذا هو الطريق الصحيح في محاربة التسول، يحارب الشعب ظاهرة مؤسفة ومخجلة دون انتظار العون والمساعدة من أحد، فإذا امتنع الناس عن العطاء وجفت ونشفت عطاياهم، عادوا مرة أخرى إلى أعمالهم التي تركوها، ونجحنا جميعا- نحن وهؤلاء.

إعلان

إعلان

إعلان