• قَدرُ الكبير.. أن يبقى كبيرًا

    عبدالله رشيد

    قَدرُ الكبير.. أن يبقى كبيرًا

    عبدالله رشيد
    09:00 م الأربعاء 08 أغسطس 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    بكيت بحرقة مرتين؛ الأولى عندما توفى والدي وأنا بعيد عنه، والثانية يوم الاثنين السادس من أغسطس عندما قرأت خبر رحيل أستاذي ومعلمي واحد أعمدة الصحافة في مصر الأستاذ عبدالعال الباقوري.

    أول مرة تعرفت فيها على الراحل كانت في بداية الثمانينيات في مكاتب جريدة "الاتحاد" في أبوظبي.. كنت وقتها حديث العهد بالعمل الصحفي وكنت أعمل في قسم أرشيف الصور في جريدة الاتحاد وفي أوقات الفراغ أكتب بعض الخواطر التي كانت أقرب إلى الدردشات منها إلى المقال!

    كنت خجولاً مما أكتبه لقناعتي أنه عبارة عن خربشات أو شخابيط وكلمات بسيطة لا معنى لها.. وكنت على قناعة تامة بأن من يقرؤها سوف يضحك لا محالة، فبحثتُ عمن يقبل بقراءة ما أكتب دون أي تعليق سلبي قد يجعلني أتناسى حكاية العمل في الصحافة نهائيًا...!

    في أحد الأيام كتبت مقالا، أو هكذا ظننت، وبعد قراءته ومراجعته أكثر من عشر مرات، تجرأت وتوجهت من مكتبي في الأرشيف إلى صالة التحرير في جريدة الاتحاد حيث كان يجلس الراحل، عبدالعال الباقوري رئيس قسم الأخبار الدولية آنذاك.. في هذه الصالة أيضاً كان يجلس الكبار الذين تأسست هذه الجريدة الإماراتية العريقة على أيديهم.. المرحوم الأستاذ مصطفى شردي، والكاتب والصحفي والمؤرخ جمال بدوي، والكاتب المؤرخ عباس الطرابيلي وهم من مؤسسي صحيفة "الوفد" المصرية العريقة.. أسماء كان لها صيت وهيبة ومكانة رفيعة في عالم الصحافة..

    كان الاقتراب من صالة التحرير له هيبة خاصة عندما كان للصحافة مكانة ومنزلة وقيمة.. فقد كانت هذه الصالة تحتضن خيرة ما أفرزته الصحافة في مصر الشقيقة وفطاحل الصحافة في بقية الوطن العربي.. دخلت الصالة وتوجهت إلى المرحوم الأستاذ عبدالعال الذي كان ببشاشته وهدوئه ودماثة خلقه وقربه من زملائه، الأقرب إلى نفسي للتشاور معه.. فقرأ المقال ثم نظر إلي هامساً بهدوء ودون أن يسمعه أحد: ("سمك، لبن، تمر هندي!"... (وهى جملة متعارف عليها بين المصريين، وعندما تسمع أحدهم يضرب هذا المثل المصري، تدرك على الفور أنه يقصد من يحاول تحقيق الانسجام بين ما لا ينسجم، والتوفيق بين عناصر لا تتفق...)

    غادرت مكتبه وعدت إلى قسم الأرشيف متحسراً ونادمًا على أنني تجرأت وأطلعته على مقالي.. ولكن في اليوم ذاته، وقبل انتهاء الدوام فوجئت بالأستاذ عبدالعال يدخل إلى مكتبي الصغير في الأرشيف وبيده مقالي بعد أن راجعه وعدّله وصححه وأضاف إليه بعض الكلمات والجمل والمعلومات، ثم سلمه لي قائلا: "أنت يا اخ عبدالله كاتب جيد.. سوف يكون لك شأن في صالة التحرير.. لا تتأثر سلبًا ولا تيأس ولا تتوقف عن الكتابة.. فقط اقرأ ما يقع تحت يديك"..

    تلك الكلمات المشجعة أدخلتني عالم الصحافة، ومن هنا بدأت رحلتي مع العمل الصحفي الذي امتد منذ 1981 وحتى يومنا هذا.. دخلت صالة التحرير بتشجيع من المرحوم عبدالعال الباقوري الذي أقنع رئيس التحرير الأستاذ خالد محمد أحمد بالسماح لي بالجلوس في قسم الأخبار الخارجية.. وكان رحمه الله يقول دائما: "هنا ستتعلم كيف تكتب الخبر.. هنا سوف تتعلم ألف باء الصحافة"!

    في الأخبار الخارجية تشرفت بالعمل تحت إدارة الراحل عبدالعال الباقوري، "بوياسر"، فتعلمت الكثير والكثير جدًا على يديه.. تعلمت أن أقرأ كثيرًا، وأتابع كل صغيرة وكبيرة وألا أُهمل أدق التفاصيل مهما صغرت... تعلمت في الكتابة من هذه القامة الكبيرة الصبر والجلد والتماسك وأسلوب التقاط وجمع وحفظ المعلومة.. وتعلمت أن أسأل وأسأل وأسأل ولا أدعي العلم والمعرفة لأنه كما قال لي أستاذي الراحل "بوياسر" (لا يوجد كبير في فضاء الصحافة).

    كان مجتمع صالة التحرير قويًا، متماسكًا، مترابطًا، متكاتفًا، يحتضن جميع الأقسام؛ الدسك المركزي، المحليات، الأخبار الدولية، التحقيقات، الثقافة، الاقتصاد.. والأستاذ رسام الكاريكاتير المحبوب والكوميدي المرحوم حامد نجيب... المرحوم عباس الشهاوي في التحقيقات، فؤاد أيوب وجمال أبوطالب في المحليات، مغازي شعير في الاقتصاد الأستاذ أحمد عمر (سوداني) رئيس التحرير لجريدة "الإمارات نيوز" Emirates News آنذاك، حمدي نصر وتوفيق الطهراوي (فلسطيني) في الرياضة، طه النعمان (سوداني) من قسم الدراسات والبحوث، وغيرهم العشرات الذين لا تحضرني الذاكرة بذكرهم... كنّا معاً قالبا واحدا نتقاسم الأفراح والأحزان، كنّا دائماً نحاول أن نسرق من أيّامنا لحظاتٍ جميلة، نحاول أن تكون هذه اللحظات طويلة، نحاول أن نحقّق شيئا يذكره التاريخ للأجيال التي سوف تأتي من بعدنا... ومع تصاريف الأيام ومُضِي قطار العمر، يصبح القضاء والقدر هو سيّد الموقف، ونصل لقناعة وإيمان ويقين بأنّه ليس بيدنا حيلة أمام تصاريف القدر، وتقلّباته..

    رحل من رحل، وبقي من أعطاه الله العمر المديد.. سوف تبقى في خلايا الذاكرة يا أستاذ عبدالعال.. ستبقى طيفا في ذاكرتي ما حييت... فأنت "بوياسر" الذي جمع حوله كل من نهل من نبع "الاتحاد".

    برحيل الأستاذ عبدالعال الباقوري، نكون قد فقدنا أحد أجمل الرجال المحترمين في الصحافة.. فقد كان الفقيد قمة كبيرة وعلما من أعلام الكتابة الصحفية..

    ساهم الفقيد في إعداد وتدريب الكوادر الوطنية من الصحفيين والإعلاميين الإماراتيين الذين عملوا معه في تلك الحقبة المهمة من تاريخ الصحافة في الإمارات وهم الذين تتلمذوا على يديه ومنهم أنا والزملاء محمد يوسف، عادل الراشد، وعلي جاسم ومحمد الحوكر وسعيد المعصم وعلى أبوالريش، وغيرهم العشرات من الصحفيين الذين استفادوا من خبراته.

    والكاتب الفقيد عبدالعال الباقوري كانت له اهتمامات كبيرة بالشأن الفلسطيني وبالقضية العربية، وأصدر مؤلفات عدة حول القضية الفلسطينية.. كان حب فلسطين يجري في شرايينه، وأطلق اسم "ياسر" على أكبر أبنائه حبًا منه للزعيم الفلسطيني الراحل "ياسر عرفات". وكانت آخر كتاباته رحمه الله وهو على فراش المرض في مصر عن القضية الفلسطينية وحق العودة عقب المسيرات التي انطلقت داخل الأراضي الفلسطينية في مارس الماضي، بتحذير القيادة الفلسطينية وقيادة مسيرة "حق العودة"، من محاولة ضرب إسرائيل للوحدة الوطنية، مطالباً بضرورة استعادة دروس النضال الوطني الفلسطيني منذ عام 1993 وحتى الانتفاضة الأولى.

    لقد كان الراحل الكبير قيمة عظيمة وقامة مهنية قلما يتواجد في الوطن العربي مثيل له.. لم أستطع السيطرة على دموعي وأنا أقرأ السطور الأخيرة التي كتبها قبل أن يودع الحياة:

    "الصحة تاج فوق رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى.. وقد سقط التاج عن رأسي فجأة، أو قل سقط خطوة.. خطوة إلى أن وجدت نفسي طريح الفراش لما يزيد على الشهر.. ولا تزال التبعات مستمرة والحمد لله على ذلك.. ليس من حقي أن أخوض في تفصيلات أيام وليالي العلاج والمرض.. فليس أطول من ليالي المرضي سوي ليالي العشاق"..

    بهذه الكلمات عبر الفقيد في آخر مقالاته، عن رحلته مع المرض، التي استغرقت عدة أشهر انتهت في 6 أغسطس 2018.

    قدر الكبير أن يبقى كبيرًا.. وأنت يا "بوياسر" عشت كبيرًا ورحلت كبيرًا.. رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جناته وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون.

    مدير مكتب جريدة "جلف نيوز" في أبوظبي

    إعلان

    إعلان

    إعلان