في ختام كارلوفي فاري الثالث والخمسين.. جوائز مستحقة وأخرى بين بين

في ختام كارلوفي فاري الثالث والخمسين.. جوائز مستحقة وأخرى بين بين

أمل الجمل
04:02 م الإثنين 09 يوليه 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

اليوم تحولت الساحة من حول فندق تيرمال - وداخل الفندق أيضاً - إلي مكان مصمت شديد القبح، بعد أن كانت تلك الساحة تضج بالحياة، وبنبض البهجة، حيث الأشكال والألوان المختلفة المذاقات من الطعام والشراب في مزيج إبداعي لا يقل عن ذلك الذي وهبته الطبيعه لتلك المدينة الرائعة من جمهورية التشيك. وفندق تيرمال هو مقر مهرجان كارلوفي فاري الذي شهدت دورته الثالثة والخمسون ختامها بالأمس - السبت الموافق السابع من يوليو الجاري - حيث تم إعلان الجوائز وتوزيعها علي الفائزين والمكرمين.

بداخل ذلك الفندق القبيح يُوجد ما لا يقل عن خمس قاعات عرض سينمائية، ويعد تيرمال في نظر الغالبية - إن لم يكن في نظر الجميع - الشيء الوحيد القبيح إلي درجة البشاعة - في تلك المدينة البهية، وذلك بخلاف كل شيء جميل في كارلسباد، وأيضاً بخلاف أن هذا الفندق من الداخل يتحول أثناء فترة المهرجان إلي شعلة متأججة بالحيوية فنشاهد فيه أفلاماً متنوعة من كافة جنسيات العالم، أغلبها متميز وعلي مستوي فني يصعب نسيانه.

يوميًا وعلي مدار تسعة أيام كان لا بد لي من دخوله والمكوث به عددًا طويلاً من الساعات، بين القاعات الصغيرة المخصصة للعروض الصحفية، وبين القاعة الكبيرة المخصصة للعروض بتذاكر حيث يحضرها الجمهور- والتي تعتبر العروض الأولى حيث يحضرها صناع وأبطال العمل- ويقدمها مدير المهرجان كاريل أوخ، بكلمات بسيطة قبل أن يترك مساحة للمخرجين أو المنتجين أو الممثلين أحيانا بمنح الجمهور - الذي دفع ثمن التذاكر وملء القاعة عن آخرها- بضع كلمات تشجع جمهوراً آخر على الحضور مجدداً، ثم يطلب كاريل أوخ من ضيوفه الاستدارة ومنح ظهرهم للجمهور لالتقاط الصور التذكارية مع هذا الجمهور الذي يصفق عالياً، ثم يهبط الضيوف من فوق خشبة المسرح لاتخاذ أماكنهم بينهم.

هنا، وفي تلك اللحظة، يدخل إلي الخشبة أحد كبار السن، يعلق في رقبته البادج المميز للمهرجان - تخيلته في البدء أحد النقاد أو الصحفيين تطوع بإرقاد الميكروفون أرضاً حتي لا يعوق المشاهدة عندما يبدأ عرض الفيلم، بينما يصفق له الجمهور وهو ينحني مرات عدة في أداء مسرحي. لاحقاً ومع تكرر الفعل من الرجل ذاته سألت عنه فأخبرتني الصديقة والناقدة السينمائية فيكي حبيب - التي تواظب علي حضور المهرجان ربما منذ نحو عشر سنوات - أنه أحد الموظفين بالمهرجان والجمهور يقدر الدور البسيط الذي يقدمه.

علي طول الطريق، علي السلالم وفي الممرات بداخل ذلك المبني الشاهق البشع بمنظره الخارجي الدافئ الجميل من الداخل، ألمح شبابًا وشابات، رجالاً ونساءً، مسنين وعجائز، أصحاء أقوياء يتحركون في خفة ورشاقة، تكاد لا تلمح حركة أقدامهم علي الأرض، بينما أناس آخرون علي كراسٍ متحركةٍ، وعدد آخر يسيرون مستندين علي عكازين ويهبطون السلالم الحلزونية بحرص على القدمين. ربما يكونون صحفيين ونقاد سينما، ربما يكونون من الطلاب وعشاق الفن السابع، ربما يكونون من الجمهور العادي الذي ينتظر طوال العام ليستمتع بإجازته ويشاهد عددًا من التحف السينمائية التي جاءت من أهم مهرجانات الدنيا.

عن البربر الآخرين والكرة الكريستال

في تقديمه لفيلمه "لا أهتم إن نظر إلينا التاريخ كبربر" قال المخرج رادو جود - بعد أن شكر فريق عمله، ويبدو أنه كان قد وصله شيء ما من انصراف عدد كبير من النقاد والصحفيين من فيلمه بعد نحو نصف الساعة في عرضه الصحفي الأول، في حين صمد عدد قليل حتي النهاية وصفقوا للشريط الروائى الذي يبلغ طوله ١٤ دقيقة بحماس - أن الفيلم مصنوع بحب، وأن به كثيرًا من الكلام والحوارات، وكثيرًا من الفكاهة، وبعض الألم، وفي المنتصف سيكون به بعض الملل والضجر، وربما ترغبون في الخروج وعدم إكماله، لكن قرب نهاية الفيلم سيعود له الإيقاع القوي، وسيكون "الماستر سين" في ختام الفيلم،" وهنا ضجت القاعة بالضحك العالي.

بالفعل، في تقديري الشخصي، إن أهم مشهد بالفيلم وأكثره فزعاً، هو المشهد الذي يصفق فيه حشود الناس - من الممثلين الكومبارس- عند إعادة تمثيل مشهد حرق اليهود علي أيدي الجيش الروماني أيضاً، بغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا مع تضخيم قضية "حرق اليهود" ومدى صدقية الروايات التي تم تسطيرها تاريخياً، لكن الفيلم أيضاً يقدم شهادات مؤرخين وكتاب بعضها يحققها وينفيها، وبعضهم يؤكد وقوعها، وما بين الرأيين نرى خلافًا واختلافاً، وكيف يتعامل الناس في ظل ذلك التباين في الآراء والمعتقدات، من دون أن يغفل المخرج الذي كتب السيناريو بنفسه أن يقدم مخرجة العرض وهي تعيش قصة حب وعلاقة تنتهي برغبتها في الإنجاب، بإصرار، وبروح مرحة قوية.

"التكفير" إخراجاً وتمثيلاً

بالفعل نال ذلك الفيلم السابق الجائزة الأولي الكرة الكريستال (٢٥ ألف دولار أمريكي) عن استحقاق، في حين نال جائزة لجنة التحكيم الخاصة فيلم "حلم فلوريانوبوليس" Sueño Florianópolis - (تحدثنا عنه في المقال السابق لنا علي موقع مصراوي)، وفلوريانوبوليس مدينة بجنوب البرازيل وتشتهر بشواطئها الساحرة وبكثرة المنتجعات السياحية الخلابة بها، وتدور أحداث - الفيلم - الذي نالت بطلته جائزة أفضل ممثلة أيضاً حول أسرة أرجنتينية مكونة من زوجين منفصلين رسميا لكنهما لا يزالان مرتبطين ويقيمان علاقة حميمية، لا ندري في ظله لماذا كان الانفصال الرسمي إذاً؟ وبصحبتهما ابنتهما وابنهما المراهقان وذلك لقضاء العطلة والاحتفال بعيد ميلاد الأم، وهناك لا يحدث شيء خطير أو ذو بال، فقط نعيش معها أوقات المرح، والارتباط، والانفصال الذي يعيشه كل طرف من أفراد الأسرة الأربعة مع أحد من سكان المدينة. رغم أجواء التوتر التي تجيد المخرجة آنا كاتز رسمها، فهى تشعرنا طوال الوقت أن هناك شيئا ما سيحدث، لكن هذا الشعور مؤكد سيزول مع المشاهدة الثانية للفيلم، ولن يتبقى منه شيء، فهو من الأفلام التي تشاهدها مرة واحده ثم تلقى بها جانباً ولن تعود إليها مجددا أبداً.

أما الفيلم الثالث الذي حصد جائزتين - عن جدارة - الأولي أفضل ممثل، والثانية تقاسمها صاحبا الفيلم جوزيف مادموني، وبوز يوناتان ياكوف وهى جائزة أفضل إخراج فهو الشريط الإسرائيلي "تكفير"- Redemption - أو Geula- كما في لغته الأصلية. عن أب أرمل يرعي طفلته المصابة بالسرطان، كان مغنيًا غير متدين، ثم تحول إلى الدين منذ خمسة عشر عاماً، ومؤخراً نتيجة تزايد مصاريف علاج ابنته عاد للغناء مجددا في حفلات العرس، ثم لاحقاً في "نايت كلوب".

الفيلم أعتبره تحفة سينمائية تستحق المشاهدة، عمل مليء بالبهجة والمقاومة، والصراع الداخلي، مليء بالإيجو والإعجاب بالنفس، بكثير من لحظات الضعف، والغرور والقوة، بالبحث عن الحب، وفقدان الأمل، بالهشاشة وعدم اليقين، بالحب الذي يُعيد الفقدان.

التحف الوثائقية

رغم أن الجائزة الأولى في مسابقة الوثائقي ذهبت إلي "شهود بوتين" المنتج بأموال كل دول ثلاث هى لاتفيا، والتشيك وسويسرا، لكني شخصياَ لو كنت في لجنة التحكيم لمنحت الجائزة لأفلام أخرى أهم علي المستوي الفني. هنا، يبدو لي أن الجانب السياسي تفوق على الشكل الفني في تغليب دفة الجائزة، صحيح أنه يصعب الفصل بين الشكل والمضمون، لكن هذا الفيلم من حيث البناء الفني تقليدي جداً، كما أنه من حيث المضمون لا أعتبره عملاً ينتمي إلي التحف السينمائية.

من الأفلام الاثني عشر التي تضمنتها مسابقة الوثائقي، شاهدت ثمانية أفلام كان من أهمها وأجملها وأكثرها رومانسية - طبعاً إلي جانب الفيلم اللبناني "الأرجوحة" الذي سبق أن خصصنا عنه مقالا هنا في مصراوي - الفيلم الفرنسي "في سكون الأصوات" الذي شارك في إخراجه ستيفن مانشيماتن، وسيرج ستير، والذي شهد عرضه الأوروبي الأول بمهرجان كارلوي فاري الثالث والخمسين، ولا ينافسه في رومانسيته سوي الفيلم التشيلي الكندي "السماء" داخل ذات المسابقة، ومن إخراج أليسون ماكالبين. ففي حين يدور الثاني عن تأمل السماء وحركة الكواكب، ليس فقط من خلال عيون الخبراء والعلماء، ولكن أيضاً بعيون الفقراء والناس البسطاء بأفكارهم وخواطرهم، ومعتقداتهم الموروثة، وماذا تمثل السماء لهم، ولماذا لم يصبحوا غير قادرين علي الرؤية؟ كيف سيكون بمقدورهم تخيل السماء؟! كل ذلك يتم عبر تصوير خلاب لبحار من الضوء، والسموات بنجومها وكواكبها، تصوير إبداعي مليء بالجماليات التي تذكرنا بأفلام التشيلي باتريشيو جوزمان صاحب الجواهر السينمائية "ثلاثية الضوء"، و"الزر الؤلؤ".

أما فيلم "في سكون الأصوات" فيجعلنا نعايش الأشكال والألوان اللا محدودة للأصوات سواء في الطبيعة أو تلك التي تكون من خلق الإنسان، أصوات الطيور، حفيف الأشجار، صوت أقدام الحيونات، قدومها، اقترابها، أقدام البشر علي أوراق الأشجار المتساقطة، أصوات المياه، وسقوط حبات المطر علي الأرض الصلبة المختلفة عن تلك التي تسقط علي أوراق الأشجار.

إنه فيلم عن جماليات صناعة الأصوات في الأوقات المختلفة من السنة، في الحلات المختلفة، أثناء الليل والنهار، وهو أثناء ذلك لا ينسي أن يلفت عيوننا إلى جماليات الصمت، إلي تلك العلاقة الجميلة الدافئة بين الأب وطفلته، وتشابه علاقتهما بعلاقته مع والده، ورغم أن الفيلم عن جماليات الأصوات، لكنه يفعل ذلك موازياً لجماليات بصرية لا تقل عن الصوت.

رجل المطر يحصد جائزة الجمهور

بقي أن نضيف أن حفل الختام شهد تكريم ثلاث شخصيات منها المخرج والمنتج والكاتب الأمريكي باري ليفنسون الذي رشح لجوائز الأوسكار عدة مرات ونال حظه منها عن تحفته "رجل المطر".

وشخصياً أعتبر أنه قد نال تكريمين في كارلوفي فاري السينمائى الثالث والخمسين؛ التكريم الأول من إدارة المهرجان بحصوله علي الكرة الكريستال، أما الجائزة الثانية فهى جائزة تكريمية أهم وأكبر لأنها جاءت من الجمهور الذي منحه جائزة أخرى هى ”جائزة الجمهور لفيلمه "رجل المطر" المنتج عام ١٩٨٨ والذي يعتبر تحفة سينمائية خالدة. أليس أمرًا مدهشًا أن يدخل فيلم سينمائى أنتج عام ١٩٨٨ في منافسة مع أفلام حديثة ويقتنص جائزة الجمهور رغم أنه عرض عشرات المرات في التلفاز.؟!

إعلان

إعلان

إعلان