تحليل ونقد خطة البنك الدولي لإصلاح التعليم في مصر (2018- 2023) (4)

تحليل ونقد خطة البنك الدولي لإصلاح التعليم في مصر (2018- 2023) (4)

د. عبد الخالق فاروق
09:00 م الخميس 12 يوليو 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

كيف نعيد بناء المنظومة التعليمية والتربوية في مصر؟.. رؤية بديلة

لقد استقرت دراسات علم النفس الاجتماعي، وعلم نفس الطفل على أن الأطفال يتحركون في تنشئتهم الاجتماعية والسلوكية والقيمية في أربع دوائر متداخلة ومتكاملة هي:

1- دائرة الأسرة بكل ظروفها ومشاكلها .

2- دائرة المدرسة بكل اختلالاتها وأحوالها .

3- دائرة الصحبة أو الأصدقاء، وما يصاحبها عادة من احتمالات للخطر .

4- ثم دائرة أوسع يمثلها النسق الإعلامي والثقافي والقيمي في المجتمع، وفي القلب منه جهاز التليفزيون، وما طرأ أخيرا من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وشبكة الإنترنت .

ويتفاوت تأثير كل دائرة من هذه الدوائر، وفقا لظروف التنشئة الاجتماعية من طفل إلى آخر، ومن فئة اجتماعية وعمرية لأخرى، ومن الملاحظ بروز تطورات جديدة في مساحة التأثير الخاصة بكل دائرة من هذه الدوائر خلال العقدين الماضيين .

في البدء كانت الأسرة هي صاحبة التأثير الأول والممتد لسنوات طويلة من عمر الطفل؛ فمنها يستمد الطفل قيمه ورموزه، وفيها تتشكل مدركاته وأحاسيسه، وعبرها تتأسس علاقاته مع الآخرين من أقربائه ومع الأشياء، ثم مع النمو المتزايد واتساع نطاق التعليم زاحمت المدرسةُ الأسرةَ في دورها التربوي، وشيئا فشيئا اكتسحت أجهزة الأعلام المرئية- خاصة جهاز التليفزيون- الدائرتين السابقتين، وأصبح بما يقدمه من أشخاص ورموز وقيم عبر الأعمال الدرامية المحلية أو الأجنبية منبعا ومصدرا لكثير من القيم والمفاهيم والسلوك لأعداد هائلة من الأطفال والنشء والشباب، ثم ما طرأ مؤخرا من تأثير لشبكة الإنترنت ووسائل التواص الاجتماعي الجديدة .

والمدرسة فوق كل ذلك مكان "التجميع الجبري" للمئات من الأطفال الذين تتقارب أعمارهم، وتتوحد اهتماماتهم، ومن ثم، فهو المكان الذي لو أحسن التعامل معه من المجتمع وأجهزة الدولة، فسيكون مركزا وبوتقة التشكيل والصياغة الوجدانية والمعرفية .
وتساهم الفترة الزمنية الطويلة نسبيا التي يقضيها الطفل في المدرسة (9 ساعات يوميا في حالة اليوم الكامل) طوال ستة شهور كاملة؛ في حيوية وأهمية تركيز أجهزة الدولة التربوية والتعليمية في العمل داخل المدارس ومن خلالها، وإذا كانت المدرسة بهذا المعنى هي ملتقى ثلاث عمليات إنسانية تمثل كيمياء التنشئة الاجتماعية، وهي:

- المدرس وسلوكياته .

- المعارف العلمية والفكرية وأهميتها .

- الأنشطة التربوية والفنية كمهارات مكتسبة .

فالمؤكد أن هذه المكونات الثلاثة قد تعرضت للتآكل والانهيار طوال الخمسين عاما الماضية، وتحديدا منذ عام 1967 .

ومن هنا خطورة تلك الأفكار المستحدثة التي أتى بها بعض المهندسين في قمة السلطة بشأن تغليب عناصر التقنية الحديثة- رغم أهميتها- مثل التعليم عن بعد، والتابليت وغير ذلك من الوسائل الفنية علي حساب التواجد الحي بالمدرسة كحيز اجتماعي بأكثر من كونه حيزا جغرافيا، وهذا ما أتت به خطة البنك الدولي لما سموه "إصلاح" التعليم في مصر، واعتمدها الوزير الدكتور المهندس طارق شوقي.

والسؤال الآن: من أين نبدأ إذن في إصلاح المنظومة التعليمية في مصر، أو بمعني أدق: "إعادة بناء هذه المنظومة التي انهارت عمليا وتربويا ومعرفيا؟

نستطيع أن نحدد خطة العمل انطلاقا من عشرة مبادئ أساسية توجه عملنا هي:

1- إن التواجد في المدرسة ضرورة حياة أو موت، ليس فقط من منظور تعليمي، وإنما وهو الأهم من منظور تربوي حقيقي.

2- وبناء عليه فتقليل كثافات الفصول إلى ما دون 30 طالبا/ فصل هو هدف استراتيجي حقيقي، وهو ما يتطلب بناء واستحداث 200 ألف فصل سنويا خلال السنوات الخمسة القادمة

3- الوصول إلى هذا الهدف سيؤدي عمليا إلى تصحيح العملية التعليمية والتربوية من ناحية، وسينهي- إلى جانب سياسات إضافية- آفة الدروس الخصوصية.

4- إلي جانب ذلك فإن تصحيحا فوريا لنظام الأجور والمرتبات بالقطاع الحكومي عموما، والقطاع التعليمي خصوصا يصبح ضرورة حيوية لن يستقيم الأمر بدونها.

5- إن محاربة الدروس الخصوصية على كافة المستويات السياسية والإعلامية والأمنية، تصبح سياسة مكملة وضرورية لذلك.

6- إعادة بناء قطاع التفتيش والتوجيه داخل وزارة التربية والتعليم من ناحية، واستحداث هيئة مستقلة لتقييم الأداء التعليمي والتربوي للوزارة وقطاعاتها ومدارسها المختلفة تكون سلطتها مستقلة عن سلطة وزير التربية والتعليم ووزير التعليم العالي، مع إعادة هيكلة قطاعات الوزارة وجهازها الإداري والبيروقراطي وإلغاء الهيئة الهجين (هيئة جودة التعليم).

7- لن تنجح أي خطط لإعادة بناء منظومة التعليم والتربية في مصر، دون أن تكون جزءا من رؤية استراتيجية شاملة يشارك فيها الجهاز الإعلامي الحكومي وغير الحكومي، وقطاعات وزارة الثقافة وجهاز الشباب والرياضة، في إطار خطة متكاملة للدولة المصرية، وفي هذا يمكن الاستعانة برؤيتنا المتضمنة في كتاب "كيف نكتشف مواهب أطفالنا في نظامنا التعليمي" الصادر عام 2010 (ملحق رقم 3).

8- إن التطوير المستمر للمناهج التعليمية، وتحديث الوسائل والوسائط المستخدمة والتوسع فيها، بدءا من أجهزة الكمبيوتر، مرورا بالفيديوهات، وأفلام العرض العلمية، وزيارة المتاحف الحية النوعية، وانتظام الرحلات الدراسيةstudy tours ، والحرص على الأنشطة التربوية والفنية بكافة أنواعها كجزء رئيسي في المنهج التعليمي، من مرحلة رياض الأطفال إلى المرحلة الجامعية مسألة ترتبط بمستقبل وفاعلية المنظومة التعليمية والتربوية ككل.

9- يحتاج إعادة مراجعة المستوى العلمي والأخلاقي للمعلمين إلى خطة متكاملة، لا تستبعد من مقتضياتها طرد من لا يستحق أن يكون عضوا في هذه الوظيفة المقدسة، وإلي جانب البرامج التدريبية السنوية كل إجازة صيفية وفقا لبرامج جادة وصارمة، ينبغي أن يخضع المعلمون والمديرون والموجهون إلى تقييم موضوعي، تقوم به الهيئة المسؤولة عن التقييم الشامل لأداء المنظومة التعليمية من ناحية، وقطاع التفتيش الجديد داخل وزارة التربية والتعليم ذاتها، وبدون هذا التقييم والتصحيح والتنقية لن يقوم للنظام التعليمي في مصر قائمة، من جراء سوس الفساد الذي نخر لسنوات طويلة في هذه المنظومة التعليمية والتربوي.

10- لن ينصلح حال المنظومة التعليمية والتربوية دون مشاركة حقيقية لأولياء الأمور والطلاب في إدارة الشؤون المدرسية، والقول بأن نظام المدرسة اليابانية المسمى برنامج Mini-Tokkatsu المعتمد في اليابان، ويتضمن فصولا دراسية إضافية وأنشطة مدرسية، مثل قيام الطفل بتنظيف فصله، وقيادة الفصل لبعض الأيام، والقيام بالقدرات الجمسانية والرياضية والوجدانية والبحث في المكتبات، كلها عوامل كنا نقوم بها في مدارسنا الحكومية في مصر، منذ منتصف الخمسينيات وحتى منتصف الستينيات، حينما توقف كل شيء تقريبا بعد نكسة يونيو عام 1967، فهي ليست اختراعا جديدا، بقدر ما هي أسس العمل التربوي في منظومة تعليمية جادة وفعالة. ومن ثم لا بد من تفعيل مجالس الآباء، وتنظيم الحضور المنتظم لأولياء الأمور بصورة شهرية أو دورية في يوم مخصص لذلك، ومشاركة الطلاب في تقييم البرامج التعليمية وأداء المدرسين، بعد تحريرهم من آفة الدروس الخصوصية .

والموارد المالية لتمويل عملية تعليمية وتربوية صحيحة، يمكن تدبيرها من خلال عدة إجراءات متكاملة من أبرزها:

1- إعادة تنظيم صرف المتاح حاليا من مخصصات مالية، وخصوصا ما يسمي مكافآت الامتحانات ومكافآت التصحيح، عبر إعادة توزيعها على كل شهور العام المالي، حتى يتحقق للمدرسين والعاملين في حقل التعليم دخل أفضل مما هو قائم في الوقت الراهن طوال العام الدراسي، ويقدر حجم الزيادة الشهرية للمدرسين، إذا ما أعيد تنظيم صرف هذه المبالغ، بما يتراوح بين 750 جنيها إلى 1200 جنيه شهري، مما يخفف الضغوط النفسية على العاملين في هذا القطاع الحيوي.

2- تعزيز المخصصات المالية لقطاع التعليم لا يمكن أن يتم إلا من خلال النظر في النظام الضريبي الراهن الذي يتحيز لصالح الأغنياء ورجال الأعمال وما يسمي المستثمرين، ومن شأن رفع نسبة الحد الأقصى للاستقطاع الضريبي الراهن من 22.5% إلى 30% أن يوفر لنا ما بين 50 مليار جنيه إلى 75 مليار جنيه إضافية.

3- التوقف عن الإنفاق غير الضروري ذي الطبيعة الحجرية من إنشاءات وطرق ومبانيَ وعاصمة إدارية لا تتطلبها اللحظة الراهنة- ربما تكون مدخلا صحيحا لتوفير تمويل جيد للتعليم والصحة معا.

4- مراجعة الأرباح التي تتحقق من بعض المشروعات العقارية الحكومية، مثل الشركة المساهمة لإدارة وتشغيل العاصمة الإدارية، من بيع الأراضي والفيلات والقصور والوحدات السكنية، والحصول على حق الدولة والخزينة العامة من أرباح تلك الشركة المساهمة التي حصلت على الأراضي مجانا تقريبا (القرار الجمهوري رقم 57 لسنة 2016).

إعلان

إعلان

إعلان