إعلان

العقد الاجتماعي.. وبيان مجلس النواب

العقد الاجتماعي.. وبيان مجلس النواب

د. غادة موسى

أستاذ مساعد - كلية الاقتصاد والعلوم السياسية - جامعة القاهرة 

09:01 م السبت 09 يونيو 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

العقد الاجتماعي أو مبادئ الحق السياسي كما صاغها الفيلسوف الفرنسي "جان جاك روسو" عام ١٧٦٢، مثلت نظرية لإقامة المجتمع السياسي في مواجهة مشاكل المجتمع.

إن العقد الاجتماعي مفهوم يتقاطع مع الفلسفة الاجتماعية والفلسفة السياسية والفلسفة الأخلاقية. فالمفكرون والفلاسفة الذين صاغوا العقد الاجتماعي وجدوا فيه حلا لمشكلات تنظيم المجتمع وتنظيم وبناء السلطة السياسية وضبط المعاملات بين الحاكم والمحكوم بطريقة أخلاقية.

ولم يكن "جان جاك روسو" الفرنسي هو الوحيد الذي تناول مفهوم العقد الاجتماعي؛ إذ سبقه مفكران إنجليزيان هما " توماس هوبز" و"جون لوك". فكان بحث هؤلاء المفكرين في مفهوم العقد الاجتماعي نابعاً من المشكلات والتحديات التي كانت تواجه الدول الأوروبية في القرنين السادس والسابع والثامن عشر.

وهي مشكلات تدور حول تنظيم السلطة السياسية بهدف تحقيق الاستقرار السياسي والأمن الاجتماعي. لذلك اهتم المفكرون السابقون بوضع مبادئ عقلانية يبنى عليها النشاط السياسي. هذه المبادئ كفيلة بضبط العوامل الداخلية التي تتسبب في تفكك النظام السياسي أو انهياره.

...

وعليه، فقد تطورت الأسس التي قامت عليها نظرية العقد الاجتماعي من الخوف من "التنين" كما عبر عنه "هوبز"، وهو المتمثل في حالة الحرب التي يكون فيها الإنسان عدوا لكل ما سواه، ومن ثم انعدام الأمن بسبب القوة الشخصية المطلقة لدي كل فرد.. وهي الحالة التي يتساوى فيها الأفراد في قدراتهم وطموحهم وفي استعدادهم للحفاظ على بقائهم ومكتسباتهم حتى لو تضمن ذلك الدخول في صراعات وحروب. فالتنافس والاختلاف والرغبة التي تتحكم في سلوك البشر -وهي حقوق طبيعية، تحتاج إلى ضبط وتحكم، إلى النزوع للسلم والأمن حتى يحقق كل إنسان حريته.

...

وحتى يمكن الخروج من حالة الطبيعة التي تقول بأن لكل فرد الحق في كل شيء إلى حالة السلم والأمن، يجب أن يقوم الفرد بالتنازل عن حريته في الحصول والاستمتاع بكل شيء بأية وسيلة على حساب حقوق الآخرين الذين يجب بدورهم أن يتنازلوا هم أيضا عن حقوقهم في الاستمتاع بكل شيء بأية وسيلة. وهذا التنازل يحدث فقط عندما يطمئن الفرد بأن هذا التنازل لا يعزز موقع الغير على حسابه، ومن ثم لا يجعل حياته في خطر، لذا سُمي بالعقد الاجتماعي، لأنه تنازل أو تفويض متبادل للحقوق بين الأفراد بهدف تحقيق السلم والأمن وكبح جموح الحريات المطلقة.

ومن ثم على الأفراد الالتزام بما اتفقوا عليه. وفي المجتمعات الحديثة أصبحت الدساتير والقوانين والأعراف هي الضامن لتنفيذ العقد الاجتماعي بين الأفراد وحماية حقوقهم. لذلك تحدث "روسو" عن الحقوق السياسية في إطار تحقيق العقد الاجتماعي، ثم جاء الفيلسوف الأمريكي "جون رولز" ليتحدث عن حماية العقد الاجتماعي من خلال الانتقال من الحقوق السياسية إلى مفهوم "العدالة كإنصاف".

...

ولقد تحدث السيد رئيس الجمهورية في بيانه الذي ألقاه أمام مجلس النواب، بعد حلف قسم توليه فترة رئاسية ثانية عن بناء عقد اجتماعي جديد، أي أن يدخل المجتمع بأسره في تعاقد ملزم، وذلك لحماية الدولة وتحقيق السلم والأمن. وهذه الأهداف تتحقق باحترام القانون وتطبيقه على الجميع حتى تتحقق العدالة والإنصاف.

...

ولا تقف نظرية العقد الاجتماعي عند هذا الحد إذ إنها تصحح العلاقة بين الحاكم والمحكوم. فوجود السلطة التنفيذية ممثلة في رئيس مجلس الوزراء والوزراء في مجلس النواب لمناقشة مشاريع قوانين أو الاستجابة لطلبات إحاطة هو تجسيد لمفهوم العقد الاجتماعي الذي ارتضت فيه السلطة التنفيذية الخضوع لمساءلة السلطة التشريعية من جانب، وارتضت فيه السلطة التشريعية أن تعبر عن حقوق ومطالب المواطنين التي تم تفويضها لهم في مواجهة السلطة التنفيذية. وفي كلتا الحالتين هناك التزام اجتماعي من قبل السلطتين التنفيذية والتشريعية تجاه المجتمع. وهذا الالتزام الاجتماعي لا يمكن أن يكون أساسه القوة "المادية"، لأن تأسيس السلطة على فكرة القوة المادية يعني إنكار فكرة الحق كلية.

...

ولا أعلم كيف فهم النواب والجمهور والمجتمع السياسي كلمة ومفهوم "العقد الاجتماعي"، كما جاء في بيان رئيس الجمهورية. وهل استوقفتهم أم مرت سريعا في مجمل حديث الرئيس إليهم؟ أعتقد أن ذكر كلمة "العقد الاجتماعي" في البيان هدفت إلى الإشارة والتأكيد على أننا متحدون في المجتمع السياسي المزمع إقامته. وأن أساس هذا الاجتماع السياسي هو الحفاظ المتبادل للحقوق والواجبات للجميع. وإذا تصورنا أن الشعب هو المجتمع السياسي الكبير، فهناك المجتمع السياسي الصغير المتمثل في البرلمان والأحزاب السياسية والنقابات.

وهذا المجتمع السياسي الصغير سيكون مُطالباً- وفقاً لمفهوم العقد الاجتماعي- بصياغة طبيعة ومضمون وشكل الحريات والحقوق المدنية التي على المجتمع السياسي الكبير الالتزام بها.

ولا يجب على المجتمع السياسي الصغير أن ينسى أن أفراد المجتمع السياسي الكبير تنازلوا عن حرياتهم الطبيعية، وأذابوا أراداتهم الفردية في إرادة عامة مشتركة من أجل حماية حقوقهمً.

وفكرة التنازل أو التفويض لا تعني ألا يشعر كل فرد بحريته وبأنه عضو مساهم في الدولة.

لقد وضعنا السيد رئيس الجمهورية أمام مفهوم "جديد للبعض" يحتاج للشرح وللنظر في كيفية تفعيله على أرض الواقع، بما يضمن التوازن الدقيق بين الواجبات والحقوق والحريات المدنية.

إعلان