الشهيد الذي ليس له مثيل!

الشهيد الذي ليس له مثيل!

د. أحمد عمر
09:01 م الخميس 08 مارس 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

في التاسع من مارس من كل عام، نحتفل في مصر بيوم الشهيد، وهو يوافق ذكرى استشهاد الفريق أول عبد المنعم رياض، رئيس هيئة أركان حرب القوات المسلحة عام 1969، وهو في وسط جنوده، وفى موقع من أكثر المواقع تقدمًا على جبهة القتال، عندما سقطت إحدى قنابل المدفعية الإسرائيلية على الموقع الذى يقف فيه، وشاء قضاء الله أن يُصاب، وأن تضع إصابته نهاية لحياته المجيدة.

والفريق عبدالمنعم رياض واحد من أشجع رجال مصر وأكثرهم بسالة وفروسية، وهو أيضًا واحد من أكثر العسكريين في تاريخ مصر انضباطًا وحزمًا، ورصانة في التكوين، وأصالة في التفكير والرؤية الاستراتيجية.

وإلى جانب تلك الخصائص والسمات والمهارات، فقد تميز الشهيد عبدالمنعم رياض على المستوى الإنساني بالاستقامة الأخلاقية والتجرد عن الهوى والمصالح الشخصية، وقد عاش راهبًا في محراب الوطن والعسكرية المصرية، دون أن يتزوج ويكون له أسرة؛ لأن السنوات التي كان يستطيع فيها الزواج قد انقضت وهو في رحلات دراسية بعيدة أو في مواقع خدمة في المعسكرات وجبهات القتال المختلفة.

وصفه الفريق محمد فوزي، وزير الحربية، فقال: "عبدالمنعم رياض رجل ليس له مثيل، لم يكن في الاستطاعة أن يكون لي رفيق فيما كُلفت به غيره". وكان يقصد التكليف الذي صدر له من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، بإعادة بناء القوات المسلحة بعد نكسة عام 1967.

وفي يوم استشهاده نعاه إلى الشعب الرئيس عبدالناصر، فقال: "... إنني أنعى للأمة العربية رجلًا كانت له همة الأبطال، تمثلت فيه كل خصال شعبه وقدراته وأصالته". ومنحه رتبة الفريق أول ونجمة الشرف العسكرية التي تُعتبر أكبر وسام عسكري في مصر، واعتبر يوم 9 مارس من كل عام هو يوم للشهيد تخليدًا لذكراه، نحتفل فيه بذكرى الأبطال الذين ضحوا بأروحهم ودمائهم الغالية من أجل حرية وكرامة وشرف الوطن. 

وبعد استشهاده رثاه الشاعر الراحل نزار قباني فقال: "لو يُقتَلونَ مثلما قُتلتْ/ لو يعرفونَ أن يموتوا مثلما فعلتْ/ لو مدمنو الكلامِ في بلادنا قد بذلوا نصفَ الذي بذلتْ/ لو أنهم من خلفِ طاولاتهمْ قد خرجوا، كما خرجتَ أنتْ/ واحترقوا في لهبِ المجدِ، كما احترقتْ/ ما استُبيحتْ تغلبٌ/ وانكسرَ المناذرهْ/ يا أشرفَ القتلى على أجفاننا أزهرتْ/ الخطوةُ الأولى إلى تحريرنا أنتَ بها بدأتْ/ يا أيّها الغارقُ في دمائهِ/ جميعهم قد كذبوا، وأنتَ قد صدقتْ".

رحم الله الشهيد عبدالمنعم رياض، وفي يوم استشهاده الذي صار يومًا للشهيد، أتوقف لأتأمل في فعل "الشهادة" ذاته، والتساؤل عن بواعثه ودلالاته، وخاصة أن طابور الشهداء لم يتوقف منذ انتهاء حربنا مع إسرائيل، وكل يوم نزف إلى الجنة بعض أفضل أبنائنا من رجال الجيش والشرطة، الذين يسقطون في ميدان الشرف في حربنا المستمرة ضد الإرهاب في سيناء وبعض مناطق الوادي والصحراء الغربية.

فما هي مقومات هذا الإحساس بالواجب الذي يجعل الإنسان يستهين بالحياة، وُيضحي بنفسه من أجل سلامة وكرامة وأمن وطنه؟! وكيف يفكر في زوجته وأطفاله وأسرته، وهو مقدم على تلك التضحية؟! وما هو واجبنا تجاه تضحياته، وكيف لا نجعلها هدرًا من بعده، بأن نحافظ على الوطن وكل ما ضحى الشهيد من أجله؟ وكيف نكرم أطفاله وأسرته، ونجعلهم في قلب وعقل الوطن والقائمين على إدارته؟ وكيف نحفظ ذكراه وبطولته في ذاكرة الوطن والأجيال الحالية واللاحقة؟

ولماذا يضحي هؤلاء الأبطال بأرواحهم وحياتهم فداءً للوطن، في الوقت الذي تتصارع فيه النخب السياسية والثقافية والإعلامية، وبعض من هم في موضع المسؤولية، على الغنائم والمصالح والمكاسب الشخصية، ويستهينون بكل مبدأ وقيمة، وربما يتاجرون بدماء الشهيد وتضحياته؟!

تساؤلات كثيرة، يطرحها على قلب المرء وعقله فعل الاستشهاد، وذكرى الشهداء، ولابد من البحث لها عن إجابة، وحتى ذلك الحين لا يبقى لنا إلا أن نقول: رحم الله شهداء الوطن في ميادين معاركه عبر العصور، ولهم وأبنائهم وأسرهم، كل المحبة والاحترام والتقدير؛ لأنهم هم الأبطال والفضلاء حقًا، وهم القدوة والمثل الأعلى في نكران الذات والشرف والتضحية. 

ولنعلم أن هذا الوطن لن يخرج من أزمته ويتجاوز التحديات والمخاطر التي تواجهه، إلا بعد أن يحمل من هم في موضع الحكم وقيادة المؤسسات فيه إرادة كإرادة الأنبياء في طريق الإصلاح والتغيير، وشجاعة كشجاعة الشهداء في طريق التضحية بالذات وما هو شخصي، من أجل الوطن والصالح العام.

إعلان

إعلان

إعلان