دوائر التذكارات وشجن الأشياء التي نعرفها

دوائر التذكارات وشجن الأشياء التي نعرفها

د. هشام عطية عبد المقصود
09:02 م الجمعة 09 فبراير 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

نعرف أنفسنا بتواريخنا، وبتلك التفاصيل التي تصنع شكل الأيام وترتب اختلافها، والغناء يقع تمامًا في تلك الدائرة، مجال رواية التفاصيل والأحداث بشكل فني يمنحها بقاء وربما بهجة وشجنًا معا. الغناء هو تاريخ الناس التلقائي الذاتي وعلى طريقتهم، صفحات فرحهم وانتصاراتهم الصغيرة على الحياة، كما يذكر في تفرد بليغ ومكثف أحداث أيامهم وشجونها المتناثرة المتكاثرة أيضا، وعبر ألوان مختلفة تناسب واقعا ما وعصرا ما، فلكل زمن غناء ولكل حدث غناء ولكل محبون، وتتعايش أنماط الغناء المختلفة في المجتمعات تعبيرا عن ثقافات فرعية تتأسس على خيط مشترك، هو المكان والزمان والبشر الذين يعيشون ويغنون ما يمرون به فرادى أو يجمعهم.

وعند الحديث عن الغناء والفن تتعدد المشاهد التى تطل، فالأغنيات كانت ولا زالت جزءا من اليوميات، تصنع تفاصيل متنوعة وتثبتها، فإذا مرت الأوقات واستمعت مصادفة لأغنية أحببتها وعرفتها في زمن قد يبدو الآن قديما، فإنك تستعيد معها كل تلك الروائح وتلك التفاصيل التي مرت، بل إنها تستحضر المواقف ووجوه البشر التي ربما غابت أو وضعتها الأيام والسنوات في ركن قصي من الذاكرة فيحضر كل ذلك مكتملا كأنه لحظة البدء.

وتتعدد حكايات الغناء العظيم، وتظل بعض الجمل والألحان في النفس لا تغيب، من يمكنه أن يتناسى شدو السيدة أم كلثوم ؟ وكلمات أحمد رامي وألحان القصبجي والسنباطي العذبة، أم كلثوم التي تطل في مساء كل يوم وكأنها نشيد جميل محب تجتمع عليه أذواق شتى في تعبير فني نادر، أغنيات وكلمات .. والتي كلما صادفتها وسمعتها لا يمكنك مبارحة السؤال عن كيف يكون الجمال هكذا فنا سائغا عذبا.

الأغنيات هي أيضا حكاية الحياة حين تمضى وتترك أثرا، ولا يغادر سؤال حين تمعن في الاستماع إلى السيدة أم كلثوم مهما يبدو ما يقدمه يعلن انتصارا صغيرا سيتجلى لك أيضا فيه كل هذا الشجن الخفي، شجن الغناء لديها يمنحك دهشة عن تلك الحالة التي تبدو "مستعذبة" من تداعى الذكريات في فن الغناء المصري الجميل، ولاشك أن للغناء سعادته الداخلية، لتسأل ما سر كل تلك المساحة من الحزن الجم في كلاسيكيات الغناء المصري والعربي؟ وكيف يفيض بحالات استعذاب اجترار الأشياء ومضغ الألم أحيانا على مهل، ثم البقاء تحت ظل الغائبين. وهل تكون هي سر جماليات هذا الغناء، حيث يربط الغناء نفسه بشيء ما عميقا حزينا دائم الحضور ولو اختفى قليلا في مسيرة الإنسان؟

كذلك يصنع عبد الوهاب خصوصيته الفنية، بموسيقاه وألحانه فيوضات صوته البهية، يأخذك دوما إلى ساحة رحبة كأنه شقيق المساء المحب، وتصل فيروز بين مساحتين وقارتين وهى تغنى للأشياء التي نألفها ونعرفها وربما نودها، للبحر وللنجوم وللخريف وللشتاء وما يمنح الحياة وجودها الطيب، وحيث طاقة غناء تصنع جمالا خفيا.

وتبقى الموسيقى ذاتها خالصة أيضا عنصرا غنائيا فذا يمنح النفس بعضا من هدوء طيب، وهى وجه من وجوه الحياة الرائقة يلون حوائطها حين تصفو، وحتى يمكن القول بأن ذلك الشخص الموغل في القدم الذي صنع اختراع مزج العزف مع الكلمات والصوت العذب ليكون غناء وكما تتعارف عليه المجتمعات المعاصرة، أقول قد صنع ذلك المجهول شيئا بهيا ومضى لتطيب الأشياء من بعده، وليمنح للبشر ذاكرة الاحتفاء بمظاهر الكون غناء .. الغناء للشجر والنهر والنجوم والناس التي تحلو الحياة في وجودهم وتفقد ألقها في غيابهم، هكذا صنع الغناء حالته وسرى كما الحياة واستمر.

إعلان

إعلان

إعلان