ما لم يفهمه جنينة وعنان

ما لم يفهمه جنينة وعنان

د. أحمد عمر
09:00 م الثلاثاء 13 فبراير 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

جهاز الدولة المصرية ومؤسساتها الحاكمة والسيادية، كيان تاريخي قوي وغامض، له امتداداته ونفوذه وسيطرته. وهو عالم له أدبياته وطقوسه وقواعده الحاكمة وقوانينه الظاهرة والباطنة، التي يجب أن يلتزم بها الداخل إلى ذلك العالم، والخارج منه.

وأبسط تلك القواعد والقوانين، أن يتعلم الإنسان الذي اقترب ورأى، وصار رجلًا للدولة، فضيلة الكتمان والصمت، والخروج بهدوء من دائرة السلطة، عندما يُقال له: شكرًا لقد انتهى دورك.

والويل كل الويل، لمن يتمسك بما هو عليه من مكتسبات ونفوذ وسلطة، ويرفض فكرة الخروج الهادئ والآمن عندما يُطلب منه ذلك. أو يُزايد على "السلطة" وهو يعمل في دائرتها، رغبة في الشهرة، وكسب ود الرأي العام. أو يقع في خطيئة معارضة السلطة التي كان أحد رجالها، ويأخذ في الثرثرة– صدقًا أو كذبًا- بما عرفه عندما اقتراب ورأى.

وأظن أن تلك الحقائق الراسخة، قد غابت عن المستشار هشام جنينة والفريق الأسبق سامي عنان؛ ولهذا رأينا المستشار جنينة عندما تكلم وهو في منصب "رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات" عن حجم الفساد في الجهاز الحكومي للدولة، يزايد على السلطة الحاكمة، ويُظهرها- على غير الحقيقة- في صورة المتقاعسة عن محاربة الفساد، رغم حرصها على ذلك، ولكن وفق رؤيتها الخاصة، وأولوياتها الاستراتيجية؛ ولذلك كان لابد من عقابه وإخراجه من دائرة السلطة، وإبعاده عن رئاسة الجهاز المركزي للمحاسبات.

أما الفريق الأسبق سامي عنان، فقد وجدناه بدافع– ربما- من الحسد الشخصي للرئيس السيسي، أو بدافع من الاشتهاء لزهوة ونفوذ السلطة، يُستدرج لخطيئة الثرثرة والمزايدة على السلطة التي كان أحد رجالها، فيعارض علانية خياراتها وسياساتها وأداءها، كما رأينا ذلك في خطابه التليفزيوني للترشح لانتخابات رئاسة الجمهورية.

وقبل ذلك وجدناه يُخالف القواعد الحاكمة لعمل أبناء المؤسسة العسكرية بالسياسة والشأن العام. ويتصرف من تلقاء ذاته، بتأثير من بعض خصوم ومعارضي نظام حكم اليوم؛ ولذلك كان لابد للمؤسسة العسكرية من مساءلته ودفعه لاحترام خياراتها وقوانينها، ودواعي محافظتها على وحدتها وسمعتها.

وانطلاقًا من المقولة الشهيرة "وبضدها تتميز الأشياء" أتذكر هنا مسؤولًا مصريًا، جسد في ذاته وحياته "نموذج رجل الدولة كما ينبغي أن يكون" في إدراكه لتلك الحقائق والقواعد التي غابت عن المستشار هشام جنينة والفريق الأسبق سامي عنان، وهو الراحل السيد "زكريا محيي الدين".

فهو أبرز الضباط الأحرار مهابة وغموضًا، وقد عمل مديرًا للمخابرات الحربية، وأسس المخابرات العامة، وعمل رئيسًا لها. وكذلك أسس ورأس الجهاز المركزي للمحاسبات. كما عمل وزيرًا للداخلية، ورئيسًا للوزراء، ونائبًا لرئيس الجمهورية في الفترة من 1965 حتى 1968.

وقد خدم مصر في أكثر من موقع قيادي سياسي وتنفيذي، بكل إخلاص ونزاهة وتجرد وإنكار للذات، وكان واضحًا شديدًا في الحق، وفي محاربة الفساد.

ورغم ذلك أقصاه الرئيس جمال عبدالناصر، من منصب رئيس الوزراء، لأنه أراد أن يكون رئيسًا للوزراء بحق، وبسلطات كاملة. ولأنه كان يصارح الرئيس عبدالناصر بالمشكلات والتحديات التي تواجه الدولة، بشجاعة كبيرة وبدون تهوين من حجمها، ما أدى إلى ضيق الرئيس عبدالناصر بصراحته، وإلى مطالبته بتقديم استقالته.

وبعد استقالته، اعتزل الحياة السياسية، وتخلى عن جميع مناصبه، وعاش في هدوء وصمت حتى وفاته عام 2012، دون أدنى رغبة في الكلام أو العودة للمشهد أو دائرة السلطة، ولو بكتابة مذكراته، رغم أنه كان أكبر المرشحين لتولي الرئاسة بعد الرئيس عبدالناصر، وأكثرهم جدارة وأهلية لهذا المنصب، الذي شغله الرئيس السادات.

ولهذا استحق أن يُوصف بأنه "الصندوق الأسود لعصر عبدالناصر"، و"رجل ثورة يوليو الصامت"، رغم اختلافه مع بعض رجالها، وأن يصبح إلى اليوم موضع احترام كل دوائر الحكم والسلطة في مصر، ورجل الدولة كما ينبغي أن يكون.

إعلان

إعلان

إعلان