فلسفة الإطار... أيديولوجيا مهذبة أم منظومة قيم؟

د. عمار علي حسن

فلسفة الإطار... أيديولوجيا مهذبة أم منظومة قيم؟

د. عمار علي حسن
09:02 م الأربعاء 07 نوفمبر 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إذا كان الفرار من الأيديولوجيا صعب، فإن البديل هو تفكيك أبنيتها، بحيث ننزع عنها بعض الأوهام، مثل الحديث عن ارتباطها بالطبيعة البشرية، والادعاء بعلميتها التامة، واستخدامها في تبرير حتى أكثر الأخطاء فداحة، وجمودها عند نقاط محددة لا تفارقها بدعوى التمسك بالجوهر.

عند هذا الحد ستنجلي "الأيديولوجيا" وتتخلص من شوائبها العديدة، لتؤول في النهاية إلى "منظومة" من القيم الفلسفية والسياسية، تختلف من أيديولوجية إلى أخرى.

ويبدو أن هذا الاتجاه سيتعزز، بثقة وتمهل، خلال العقود القادمة، بعد أن عجزت الأيديولوجيات والنظريات عن تفسير العديد من الأحداث الكبرى التي شهدها العالم، مثل تفكك إمبراطورية بحجم الاتحاد السوفيتي، وانتشار التطلعات القومية، والحركات الانفصالية، وصعود حركة الإحياء الديني، ليس في الإسلام فحسب، بل في كثير من الأديان، وتمسك البعض بذاتهم الثقافية في مواجهة العولمة، وانتقال أنظمة سياسية عديدة من التسلطية إلى الديمقراطية.

فأولئك الموزعون بين التمسك بمبادئ تحكم سير حياتهم والاعتراف بما في الأيديولوجيا من مثالب سيجدون ضالتهم في الالتحاف بنسق من القيم، يتكئون عليه في سيرهم، ويستمدون منه تحديد أهدافهم ونسج آمالهم، وهم يضمنون أنهم لا يتخبطون.

إن هناك "ثورة قيمية" تبدو واضحة المعالم، حيث الانتقال من القيم المادية إلى القيم المعنوية، وهو ما يتجلى في الانشغال بموضوع البيئة، ونوعية الحياة التي نعيشها، إلى جانب حركتي الإحياء القومي والديني، وأخيرا الثورة الفكرية التي يمكن لمسها في الانتقال من مرحلة الحداثة إلى ما بعد الحداثة.

فعلى سبيل المثال، لا الحصر، بعد أكثر من قرن من تراجع مكانة الدين في المجتمعات الصناعية المتقدمة وزوال دور الفلسفة في حياة البشر في تلك المجتمعات، عادت الأصولية المسيحية الكاثوليكية على يد البابا يوحنا الثالث والعشرين، لتفرض وجودها على المجتمع الأوروبي، واكبتها صحوة أصولية مسيحية بروتستانتية في الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في عهد الرئيس رونالد ريجان، في حين ظلت الأصولية اليهودية حاضرة. كما عادت الفلسفة إلى طرح تساؤلاتها الأولى، عن الإنسان والعالم والحياة والزمان والوجود والتاريخ. أما الشرق فقد استمر في تمسكه بالقيم الروحية، بل اعتبر أن ذلك مصدر تميزه، وعول على هذه المسألة في أن تساعده في استعادة نهضته، ومن ثم ريادته الحضارية.

وتزامنت هذه الثورة القيمية، مع ثورة في مناهج البحث العلمي بالإنسانيات، رصدت صعود القيم، بشكل عام، في سلم بعض الرؤى الإنسانية لتصل إلى درجة المثال، وتصبح ضابطا قويا يحكم الكثيرين من سلوك البشر، ويحدد تصرفاتهم في مختلف المواقف، ويعين اتجاهاتهم حيال القضايا المطروحة في واقعهم المعاش.

ولأن العلم لا يقف مكتوف الأيدي أمام الظواهر خضعت القيم للدراسة العلمية التي تسعى لقياسها في ضوء الممارسات الحياتية للناس. وقد قطع علماء النفس والتربية والاجتماع، على وجه الخصوص، شوطًا بالغًا على هذا الدرب، وحددوا عدة طرق لقياس القيم، هي:

1 ـ استخدام الاتجاهات والاهتمامات للدلالة على قيم معينة، وذلك من منطلق أن استجابة الفرد للمواقف تعكس ما يتمثله من قيم.

2 ـ استخدام الأنشطة والسلوك، على اعتبار أن القيم التي يتبناها الأفراد تظهر في سلوكهم واختياراتهم.

3 ـ دمج هذين المؤشرين معا للحصول على أقصى فاعلية ممكنة في قياس القيم.

4 ـ قياس القيم من خلال التصريح المباشر بها، أي ظهورها دون مواربة في حديث الأفراد. ولم يقتصر تأثير العلم على "القيم" في مجال فحصها دراسيا فقط، بل أمدنا العلم بقيم حياتية جديدة، بات التمسك بها ضرورة لبعث ما هو متاح من قدراتنا الكامنة.

كما أمدتنا فلسفة العلوم بإمكانية بناء "منظومة قيم"، بوصفها مجموعة من العناصر (القيم) المترابطة، التي يعد التوافق بينها ضروريا لإعادة إنتاج المجموع (نسق قيمي). وقد يسر التداخل بين القيم هذه المهمة.

فعلى سبيل المثال نجد أن قيمة الحرية تتقاطع مع نسيج قيم أخرى، فمن العسير أن نفصل بين الحرية والمساواة، وأي محاولة للسير في هذا الاتجاه تقود إلى المجهول، إذ أن هاتين القيمتين يجب أن يرتبطا ويتعايشا جنبًا إلى جنب. وفي الحقيقة فإن الحرية يجب أن تتضافر مع المساواة، وكذلك العدالة، لتشكل هذه القيم الدعامة الأساسية للنظام الديمقراطي.

والفصل بين هذه القيم هو فعل متعسف للانتصار لأيديولوجيا بعينها، وليس للعمل من أجل مصلحة المجتمع. فالاشتراكيون رفعوا من منزلة "المساواة" لتعلو لديهم على الحرية والعدل القانوني والسياسي، والليبراليون انتصروا لـ"الحرية" على حساب المساواة والعدل، والإسلاميون يؤكدون أن "العدالة" هي جوهر الدين الخاتم، وبذلك تتقدم عندهم على الحرية والمساواة.

لكن التجربة الإنسانية أثبتت أن التركيز على قيمة واحدة وإهمال بقية هذه القيم المحورية (العدالة ـ الحرية ـ المساواة)، يؤدي إلى التدهور الاجتماعي. فحين جعلت الاشتراكية الخبز قبل الحرية، واختزلت الحرية في جانبها المادي فقط، انتهى الحال بالأنظمة التي طبقتها في تعسف إلى السقوط، وبات على المتمسكين بها أن يعيدوا النظر في موقفهم من الحرية والعدل السياسي والقانوني.

أما الليبرالية، وكما سبق الذكر، فلم تهمل المساواة والعدل تماما، فقننت "الضمان الاجتماعي" وأعلت من شأن القضاء، وطبقت مبادئ العدل السياسي مع مواطنيها، وكفلت حدا ما من تكافؤ الفرص.

ويقود استعراض مفهوم هذه القيم إلى اكتشاف ما بينها من علاقات خفية وظاهرة، وارتباطات في الفكر والممارسة، بحيث يصعب الاعتماد على واحدة فقط في تسيير المجتمعات الإنسانية.

فالحرية مفهوم سياسي واقتصادي وفلسفي وأخلاقي عام ومجرد، ذو مدلولات متعددة ومتشعبة، كل مدلول منها يحتاج إلى مستوى معين من التحديد والتعريف. ومن ثم فإن هذا المفهوم مفتوح على مصراعيه أمام العدالة والمساواة.

فإذا كانت "الحرية السلبية"، لا تتعدى غياب القيود وانتفاء الإكراه المادي والمعنوي، فإن "الحرية الإيجابية" تعني حصول الفرد على حقوقه وامتيازاته، وهذا لن يتم إلا في ظل العدل القانوني بشتى صوره.

وحتى يكون الإنسان حرا فلا بد من توافر شروط معينة مثل التعليم والثقافة، إذ أن الجاهل، لا يستطيع أن يتخذ قرارات مستقلة، خاصة في البلدان التي يمارس فيها الإعلام الرسمي كذبا منظما. كما أن الشخص الذي يعاني من العوز المادي لا يمكن أن يكون حرا، لأنه أيضا لا يستطيع أن يتخذ قراره بمحض إرادته، ولذا تتطلب الحرية حدا معينا من الكفاية المادية، بل إن هناك علاقة طردية بين قيمتي "الحرية" و"الكفاية"، حيث إن حرية الفرد تزداد حين تزيد فرص إشباع حاجاته.

وقد كان الإسلام واضحا في هذه النقطة تماما حين أقام مبدأ الحرية على دعامتين أساسيتين، أولاها، تأمين الإنسان من الجوع وثانيها، تأمينه من الخوف. وهنا نجد أنفسنا، مرة أخرى، وجها لوجه أمام قيمتي العدالة الاجتماعية والمساواة.

أما العدالة فإنها تقوم في شقها التبادلي على المساواة المطلقة، بشكلها الرياضي البحت، في حين تقوم في شقها التوزيعي على مبدأ الاستحقاق والجدارة، أي أن يحصل كل فرد على ما يستحقه وفق إمكاناته واستعداداته وظروفه.

وهذا لن يتحقق إلا في ظل المساواة في تكافؤ الفرص، والحرية في أن يختار الإنسان المسلك الذي يريد في الحياة، وإلا يصعب التعامل السليم مع إمكاناته لتوظيفها في المكان المناسب.

وإذا كانت العدالة من الناحية التطبيقية ذات معنى قانوني، يدور حول نزاهة القضاء، فإنها أخذت في الوقت ذاته معنى اجتماعيًا، يتماس مع المساواة في مبدأ تكافؤ الفرص، ويمتد إلى منع التظالم البشري، الذي يحول دون وجود توازن اجتماعي، أو توفير احتياجات الإنسان الضرورية، من غذاء وإيواء ودواء... إلخ، وحق الإنسان في التأمين ضد مختلف الأخطار التي تهدد حياته، وضد العجز والشيخوخة والبطالة، أي حقه في العيش الكريم اللائق بإنسانيته.

ويرتبط العدل السياسي بوجود الحرية، فهو يقتضي وجود ترتيب اجتماعي تقره السلطة الحاكمة يعترف لكل ذي حق بحقه، ويتيح له أن يتمتع به، وأن يقوم بالواجب المصاحب له، أي أنه يقوم على نزاهة "العقد الاجتماعي" بين الحكام والمحكومين، والذي يفرض وضع المسؤولين في خدمة الشعب، وخضوع الجميع لسلطان القانون، شريطة أن يكون هذا القانون معبرًا عن مصلحة المجتمع الحقيقية، وليس مفصلاً حسب مقاس طبقة أو فئة اجتماعية معينة، كما هو الحال في العديد من القوانين، التي تنظم الحياة الاجتماعية، خاصة المتعلقة بالسلطة، في الكثير من دول العالم الثالث.

ومن الضروري أن تكون هناك حرية حتى نضمن استمرار هذا الترتيب، فهي تمكننا من التصدي لأي محاولة للانقضاض عليه، سواء من خلال الانتقاد العلني المرتبط بحرية التعبير، إلى التضاغط المؤسسي المتعلق بحرية تشكيل الأحزاب السياسية والهيئات والجمعيات الثقافية والاجتماعية، أو حتى العمل الاحتجاجي المتمثل في حرية تنظيم المظاهرات. بل أكثر من ذلك فإن الدعوة إلى أن يسود العدل ساحات الحرب، الأمر الذي تجسد في مفهوم "الحرب العادلة" التي تنبع من "القانون الدولي الإنساني" الهادف إلى حماية المتضررين من النزاعات المسلحة، تنبع في جزء منها من الإيمان بضرورة عدم الاعتداء على حرية الشعوب، الأمر الذي يتجلى في جانب منه في مفهوم سيادة الدول.

والمساواة قيمة مهمة في حياة النظام الديمقراطي، ومن ثم تتقاطع مع قيمة الحرية. ففي حال انحدار مبدأ المساواة بشكل طبيعي من إيمان بالكرامة الإنسانية، وحين يكون حصيلة للاحترام المطلق للاستحقاق الإنساني، يصبح أمرا كافيا لإيجاد الديمقراطية.

كما تتشابك المساواة مع العدالة بجانبيها القانوني والاجتماعي. فالقانوني نجده في أن المساواة تتطلب وجود حالة من التماثل بين أفراد المجتمع أمام القانون، بغض النظر عن الميلاد أو الطبقة الاجتماعية أو العقيدة الدينية أو الثروة أو الجنس أو المهنة. فالتساوي بين الناس يجب أن يكون في الحقوق والواجبات الإنسانية أمام القانون الذي يضبط حركة المجتمع، ويقوم على التوازن أو التراضي بين كافة أعضاء الجماعة، ويخلص لتحقيق مصلحتهم دون تمييز.

والاجتماعي يرتبط بالمساواة المادية، حيث يرى البعض أن تحقيق المساواة بشكل مطلق، أو طريقة رياضية بحتة، يضر بقيم الحرية والعدالة والإنجاز، ويتعارض مع مبدأ التدرج، الذي يبدو أنه يشكل قانونا طبيعيا لحياة البشر، إذ ليس من العدل أن يتساوى الناس في العائد أو المكافأة المادية، رغم تفاوت جهودهم وعطائهم الناجم عن اختلاف قدراتهم واستعداداتهم الطبيعية، كالصحة والذكاء والاتزان العاطفي. وفي المقابل يري البعض أن عدم تساوي البشر في الخصائص الطبيعية، قد يكون مجرد نتيجة لعدم توافر المساواة الاجتماعية، فالصحة المعتلة مثلا تنشأ عن سوء التغذية، ويكون الذكاء المتدني مجرد انعكاس لأمية أسرة فقيرة.

وهذا التداخل، أو وجود نقاط التقاء، بين القيم الثلاث الأساسية، العدالة والحرية والمساواة، يجعل من الممكن أن نتحدث عن "منظومة قيم"، تاركين وراء ظهورنا الجدل العقيم حول وجود تناقض بين هذه القيم الثلاث، على وجه الخصوص.

فالقول بالتناقض راجع إلى صراع الأيديولوجيات وتنافس الحضارات أكثر من كونه حقيقة واقعية. وإذا كانت الممارسة قد زكت في كثير من الأحيان الادعاء بالتناقض التام، أو التصادم الحتمي عند التطبيق، فإن هذا كان لخدمة الأنظمة الحاكمة، وليس لمصلحة الجماهير.

ومما يساعد على تصور هذه المنظومة أن مفاهيم الحرية والعدالة والمساواة، وإن كانت ذات معنى ومضمون تاريخي متغير، الأمر الذي يجعلها مفاهيم نسبية، فإنها في ذاتها دائمة الحضور في التاريخ البشري، رغم تغير هذا المضمون، مما يجعلها تكتسب صفة الإطلاقية. وهنا تنازعت مدرستان حول "القيمة" الأولى للبراجماتيين والوضعيين والوضعيين المناطقة، والثانية للمثاليين العقليين. وقابلت الأولى بين مفهومي القيمة والحقيقة على أساس أن الحقيقة هي أمر يقره العقل، أما القيمة فهي صفة يخلعها العقل على الأقوال والأفعال والأهداف والغايات والتوجهات، الأمر الذي لا يجعلها ثابتة وراسخة كما هو الحال بالنسبة للحقيقة، بل تختلف باختلاف من يصدر الحكم، وتفاوت الظروف والملابسات التي يصدر فيها.

أما أتباع المدرسة الثانية فقد عارضوا هذه النظرة للقيمة، لأنها تجعلها ذات طابع شخصي خال من الموضوعية، وأكدوا، على النقيض من ذلك، أن القيمة صفة عينية كامنة في طبيعة الأقوال (المعرفة)، والأفعال (الأخلاق)، والأشياء (الفنون).

لكن التشكيك في موضوعية القيم ورسوخها ستترتب عليه عواقب وخيمة بالنسبة للمجتمعات، الأمر الذي جعل بعض المفكرين ورغم أنهم يؤمنون بعدم ثبات القيم، ومن ثم عدم قدرتها على إطلاق أحكام موضوعية، فإنهم يطالبون بأن تكون القيم ملزمة للجميع من أجل حياة محترمة. كما أن صفة الثبات نفسها قد تكون سلبية حين تتحول إلى جمود، وهي الآفة التي أصيبت بها العديد من الأيديولوجيات فتنحت جانبا في معترك التاريخ.

كما أن تغير القيم نجد فيه "مرونة" تفتقدها الأيديولوجيات، وفي الوقت نفسه فإن هذه المرونة، مهما كانت درجتها، لا تمنع من التفكير في نسج منظمة قيم، قد تختلف من مجتمع إلى آخر، حسب أوضاعه وظروفه وإرثه الثقافي، لكن وجودها يبقى مهما له كإطار يحكم حركته السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

فطبقا لمدرسة "الجواهر الأصلية" أو "المدرسة الكنهية"، التي تصبو إلى ربط الظاهر الاجتماعية المشتتة، كما يقول عنها سمير أمين، نستطيع "ربط مجموعة قيم يمكن أن نسميها مرجعية باقتراحات تخص المؤسسات والآليات المجتمعية التي تلائمها.

وقد تكون هذه القيم المرجعية مستنتجة من نظريات أنثروبولوجية، أو مستدرجة من تحليل واقع منظومة تاريخية معينة (وهي فرضية ماركسية)، أو ناتج تأويل معين لعقيدة دينية. وقد تكون هذه القيم أبدية الطابع في بعض النظريات، أو قابلة للتطوير، أي مطلوبة في عصر ولو لم تكن مطلوبة في العصور السابقة.

إعلان

إعلان

إعلان