صار البلطجية مواطنين شرفاء.. تلاعب باللغة والمواقف والمشاعر

د. عمار علي حسن

صار البلطجية مواطنين شرفاء.. تلاعب باللغة والمواقف والمشاعر

د. عمار علي حسن
09:01 م الأربعاء 03 يناير 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

رغم أن الخارج على القانون في جريمة أو جنحة أو مخالفة لاسيما إن كانت "مخلة بالشرف" لا يمكن وصفه بـ"المواطن الشريف"، إلا أن هذا حدث بالفعل، حين وجدت إحدى القوى الأساسية المتصارعة على السلطة أن هذا "الوصف" في مصلحتها، لتضفي على ما يفعله هؤلاء من التصدي للمنافسين والمختلفين مع هذه القوة، ليس فقط غطاء قانونيًا أو دعائيًا، إنما مشروعية أخلاقية من زاوية إلصاق الفعل، مهما بلغت قسوته، بقيمة عميقة في العقل الجمعي، مستنبتة من حصيلة التصورات الدينية والعادات والتقاليد والأعراف، وهي "الشرف" و"الوطنية" معًا.

ويدرك القائمون بهذه الأفعال أن الوصف لا ينطبق عليهم، على الأقل لأنهم يعرفون جيدًا أن تصرفاتهم ليست نابعة من إرادتهم الحرة، إنما هناك من يوجههم ويوظفهم لخدمة أغراضه غير السوية، التي قد تكون متناقضة في جوهرها مع مصالح هؤلاء على المدى المتوسط والبعيد، إذ إن بعضهم، على الأرجح، هم ضحايا الظروف الاجتماعية القاسية التي تسبب من يوظفونهم في صنعها.

كما يدرك من يستغلون هؤلاء في الدفاع عن قضايا السلطة ومواقفها أن وصفهم هذا هو محض مجاز، قُصد به إضفاء صورة مقبولة على أفعال شائنة، بعضها قد يصل إلى درجة القتل والتخريب والتدمير.

ورغم الآثار السلبية العميقة التي يمكن أن يخلفها هذا الوصف على قيم المجتمع، فإن مستخدمي البلطجية يعنيهم في الأساس أن يقبضوا على زمام الأمور، ويبقوا على مواقعهم ومنافعهم ومناصبهم على حالها، متكئين على أن صوتهم هو الأعلى لأنهم يملكون منابر الإعلام والوعظ والإرشاد.

وتعبير "المواطنون الشرفاء" يبدو هنا مثالًا واضحًا للتلاعب باللغة والمشاعر والمواقف، فكلمة "مواطنون" هنا لا تفيد المعنى القانوني لها، الذي يتحدث عن حقوق الأفراد وواجباتهم، إنما تعني في هذا المقام الولاء والانتماء، ليس لسلطة أو نظام حاكم، مع أن هذه هي الحقيقة، إنما للدولة والمجتمع، أو "الوطن"، ولذا فهي تختلط هنا بسياقات تتناول "الوطنية" كشعور وإدراك وتصرفات وتصورات إيجابية.

أما كلمة "شرفاء" فتتم استعارة معانيها الراقدة في بطون القواميس والمعاجم، وفي خبرات الناس ووعيهم ومدركاتهم. ففي المعنى المعجمي، إن شرف المرأة عفتها وحصانتها، وشرف المهنة كرامتها واحترامها، وشرف النفس سمو الأخلاق والعقل، ومن يعلو في الشرف هو من يحوز مكانة عالية، ونسبًا طيبًا، و"كلمة شرف" تعني أن من قالها لن يتراجع عنها أبدًا.

وبذا نجد أن الشرف يدخل في معناه كثير من القيم السامية كالصدق والأمانة، والالتزام الأخلاقي العام في الكسب الحلال والعدالة، وقول الحق، والتراحم، وهو بهذا المعنى يمثل مجموعة من القيم السلوكية العليا المعتبرة لدى الناس، وتحقق هذه القيم لمن تمسك بها مكانة رفيعة بين الناس، وتحدد علاقتهم به، ومواقفهم منه. والإنسان الشريف يوضع في مرتبة التقدير والإجلال والتوقير بين أفراد المجتمع.

ويبدو أن هؤلاء يراهنون على أن "الشرف" يكون أحيانا متصورًا من قبل من يزعم أنه شريف، أو أن الناس يصورونه له، فيصيب أحيانًا، ويخطئ أحيانًا. فهناك من يقتل وهو يعتقد أنه ينتقم لشرفه أو عرضه، وأنه بالقتل صار شريفًا. وهناك من يفسق ويتصور أنه بهذا يتمرد على الخمول والبلاهة. وهناك من يسرق ويزوّر ويخون، وهو يتوهم أن الشرف في المال، بينما لا شرف إلا الشرف الحقيقي، وهو الذي يناله الإنسان ببذل حياته أو ماله أو راحته في خدمة المجتمع البشري جميعه، أو خدمة نوعٍ من أنواعه.

وهنا يقول المنفلوطي في كتابه "النظرات": "هكذا يتصور الأدنياء أنهم شرفاء، وهكذا يطلبون الشرف ويخطئون مكانه.. ولولا فساد التصور ما افتخر قائد الجيش بأنه قتل مائة ألف من النفوسِ البشرية في حرب لا يدافع فيها عن فضيلة، ولا يؤيد بها حقًا من الحقوق الشرعية، ولولا فساد التصورِ ما وضع المؤرخون اسم ذلك السفاح بجانب أسماء العلماء والحكماء والأطباء خدَمة الإنسانية، وحمَلة عرشها، وأصحاب الأيادي البيضاء عليها في سطرٍ واحد من صحيفة واحدة، ولولا فساد التصورِ ما جلس القاضي المرتشي فوق كرسي القضاء يفتل شاربيه، ويُصعِّر خديه، وينظر نظرات الاحتقار والازدراء إلى المتهم الواقف بين يديه موقف الضراعة والذل، ولا ذنب له إلا أنه جاع وضاقت به مذاهب العيش فسرق درهمًا، ولولاه لما توهم اللص الكبير أنه أشرف من هذا اللص الصغير، ولو باتا عند قدريهما، لوقفا معًا في موقف واحد أمام قاضٍ عادلٍ يحكم بإدانة الأول؛ لأنه سرق مختارًا ليرفه عيشه، وبراءة الثاني؛ لأنه سرق مضطرًا لينقذ حياته من براثنِ الموت".

وعلى مدار سير أحداث ووقائع الثورات والانتفاضات والاحتجاجات العربية، سمعنا استغاثات من جانحين وخارجين على القوانين، توظفهم النظم الحاكمة في ترويع المواطنين والتصدي للثوار وخدمة "الثورة المضادة". هؤلاء يسميهم المصريون "البلطجية"، وفي اليمن يقال "البلاطجة"، وفي تونس "البلطجيين"، وينعتهم السوريون بـ"الشبيحة". وهكذا تختلف المسميات لكن الفعل واحد. والأخطر من كل هذا أن هؤلاء أطلق عليهم "المواطنون الشرفاء" من قبل السلطات الحاكمة، وقادة "الثورة المضادة"، وأبواق إعلامها، لأن هؤلاء البلطجية يدافعون عنها، ولأنها ترى نفسها هي "الوطن" و"الدولة" فقد صاروا هم المدافعين عن البلد في وجه المختلفين مع أهل الحكم الذين تم وصفهم بالخونة.

هذه الظاهرة وقفت أمامها عقول الباحثين لاسيما في علم الاجتماع والسياسة بالفحص والدرس، لتعرف جذورها، وتتبع تطوراتها، وتبين آثارها الآنية والمستقبلية، لكنها في الوقت نفسه يجب أن يتم النظر إلى جانب التلاعب اللفظي الذي صاحب إطلاق كلمة أو اصطلاح "بلطجية" مقرونًا بتعبير "المواطنون الشرفاء"، حين تم توظيف هؤلاء في عمل سياسي أو اجتماعي، لاسيما في وقت الصراعات المحتدمة، أدى إلى أن يقوم موظفوهم بالتغاضي عن حقيقتهم وإضفاء صورة إيجابية عليهم، تصل إلى درجة أن يُصَفُوا بهذا الوصف السامي في معانيه ومراميه، رغم أن اصطلاح "بلطجي" ينطوي في حد ذاته على قدر هائل من الإكراه المادي والمعنوي الذي يرمي إلى إخضاع شخص أو جماعة لإرادة قوة باطشة غاشمة، وإجباره على اتخاذ قرار، أو إتيان سلوك ينافي رغبته.

وليست لهذا الفعل القسري القائم على البغي والطغيان والتنكيل بالآخرين، صورة واحدة، أو شكل نمطي، وإنما تتعدد صوره وأشكاله، وتتفاوت أحجامها، من ظرف إلى آخر، وموقف إلى غيره.

ويعود جذر كلمة "بلطجي" التي شاعت في المقالات والأدبيات السياسية والقانونية العربية على نطاق واسع إلى أصل تركي، وهو حاصل جمع مقطعين لكلمة "بلطة" وهي آلة حادة قاطعة، و"جي" ومعناها "حامل"، ما يبرهن على أن الكلمة تعني "حامل البلطة".

وفي أيام الإمبراطورية العثمانية كان حاملو البلط "البلطجية" يشكلون فصيلًا عسكريًّا، يناط به السير أمام قوات المشاة، لتمهيد طريقها إلى دخول القرى والبلدات والمدن، وسيطرتها على الأرض. وكان هؤلاء يقومون بقطع الأشجار والنخيل التي تعترض تقدم هذه القوات، أو عمل فتحات، وهدم أجزاء من جدران الحصون والقلاع. وظل هذا الفصيل العسكري قائمًا حتى أيام محمد علي باشا، الذي حكم مصر في الفترة من 1805 إلى 1848.

ووقتها لم يكن اسم أو وظيفة "بلطجي" يحمل كل منهما أي شيء أو معنى منبوذ أو مستهجن، بدليل أن الوالي العثماني على مصر في الفترة من 1752 إلى 1755 كان اسمه "بلطة جي" أو "بلطجي". ولكن هذا الاسم صار مصطلحًا كريهًا بداية من ثلاثينات القرن العشرين، إذ صار "البلطجي" مجرمًا في نظر المجتمع والقانون، وتراكمت هذه الصورة السلبية والمقيتة حتى وجدت الحكومة المصرية نفسها تسن قانونًا لـ"البلطجة"، وتضمه إلى قانون العقوبات، ولكنها لم تعرضه على البرلمان، ورفضت المحكمة الدستورية العليا نصه. ثم عادت الحكومة وضمنت قانونًا لـ"مكافحة الإرهاب" بنودًا تسد الفراغ التشريعي لمكافحة "البلطجة".

لكن هذا الجذر التاريخي لا تبدو هناك حاجة لاستحضاره في ركاب المجازات اللغوية التي تصاحب تلوين الأفعال الحديثة للبلطجية، باعتبارها شيئًا مشروعًا، أو على الأقل ضروريًّا، في وقت صار لـ"البلطجية" دور ملموس في الممارسات السياسية الطبيعية، إذ شاع استخدامهم في الانتخابات على نطاق واسع، وإسناد وظائف محددة لهم، من قبيل التضييق على أنصار المنافسين وتخويفهم، ومنعهم من الوصول إلى صناديق الاقتراع، أو إجبار الناس على التصويت لصالح مرشح معين، وحماية بعض المرشحين من منازلهم، وفرض هيبتهم وسطوتهم على أهل الدائرة الانتخابية. وفي ظل هذا الوضع المغلوط صارت "البلطجة" مهنة لبعض المنحرفين والجانحين والمجرمين والخارجين على الأعراف والتقاليد والقوانين، وأصبحت تخضع لظروف السوق وأحوالها، فيزيد الطلب على "البلطجية" أيام الانتخابات العامة، ويقل في غير موسمها.

كما يستعين بعض رجال الأعمال وكبار الملاك بـ"البلطجية" لتخليص حقوق مؤجلة، أو السطو على حقوق الغير. وشاع الأمر إلى درجة أن كثيرًا من الناس، حتى من بين البسطاء والمستورين، يلجأون أحيانًا إلى الاستعانة بهؤلاء للغرض نفسه، في ظل بطء التقاضي، وغياب سلطة القانون، وعدم الثقة في العدالة، وانشغال جهاز الأمن بحماية كرسي السلطة على حساب الأمن الاجتماعي. وهنا يصبح "البلطجي" من وجهة نظر من يستخدمه شخصًا يساعد على استرجاع الحقوق المهضومة.

هذا السلوك المشين ليس حديثًا أو طارئًا، بل له تاريخ في العالم بأسره. فكثيرًا ما سعت قوى الاستبداد إلى الالتفاف على التطور الديمقراطي من خلال حشد وتكتيل "البلطجية"، وحملة الهراوات والسكاكين والغدارات، لتفرقة صفوف المشاركين في الحملات الانتخابية، وفض إضرابات العمال، وقمع احتجاجات منظمات المجتمع المدني، والتجمعات الحقوقية. وهنا تطل بقوة "مافيات آل كابوني" في الولايات المتحدة، وبلطجية "إس. إس" في ألمانيا النازية، و"الفلانج" في إسبانيا، وأصحاب القمصان السود في إيطاليا الفاشية، أو ميليشيات الجماعات الدينية المتطرفة، التي تفرط في المجازر، وهي تربط فعل البلطجة بالجهاد، أو تغيير المنكر، والأمر بالمعروف، وإقرار الحقوق، ونصرة الدين بوجه عام.

لم تقف "البلطجة" عند هذا الحد المرتبط بالأفراد والجماعات السياسية داخل الدول، بل لقد وصلت إلى النظام الدولي برمته، فأصبح العرب المحدثون يطلقون على أعمال إسرائيل وبعض أعمال الولايات المتحدة الأمريكية صفة "بلطجة"، حيث الإفراط في استخدام القوة، وارتكاب قدر هائل من العنف، في ظل غياب أي مسوغ قانوني لمثل هذا السلوك، ومع عدم اعتناء من قبل المعتدين أو ممارسي "البلطجة" بوجود مثل هذا المسوغ، والإخلاص فقط لتحقيق المصلحة حتى لو على رقاب الناس ودمائهم، أو لفرض الهيبة، حتى لو ظهر المعتدي في صورة الدولة الباغية المتغطرسة المتجبرة.

مثل هذا الوضع جعل "البلطجة" تخرج عن حدود الممارسات العنيفة والغليظة لعصابات أو أفراد، لتصبح ظاهرة عالمية واسعة، تمتد إلى جميع المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ما يحدو عددًا من السياسيين والدبلوماسيين والمفكرين وقادة الدول على أن يستعملوا كلمة "بلطجة" في وصف كثير من الممارسات القمعية لبعض الدول. وقد التقط الإعلاميون العرب الخيط، ففاضوا في وضع عناوين من قبيل "بلطجة أمريكية في مياه الأطلسي"، و"البلطجة الأمريكية تطول أفغانستان"، و"دولة البلطجة"، و"نواب البلطجة"، و"زمن البلطجة"، و"فكر البلطجة".

لكن هذه الصورة السلبية يقدمها المتضررون من البلطجة، بينما يعمل المستفيدون منها على تصوير الأمر على أنه عمل إيجابي. ولا يكفي هؤلاء أن يتوهموا هذه الإيجابية المزعومة ويصمتوا، إنما عليهم أن يصنعوا مجازًا لغويًّا بوسعه أن يقوم بغسل سمعة البلطجية والتعمية أو التغطية على حقيقة أفعالهم، وتصويرها بأنها إحقاق للحق، ودفاع عن الوطن، وانتصار للقيم، ولتماسك المجتمع. وقد يجد هؤلاء أنفسهم في حاجة إلى نعت من يتصدون للبلطجة، لأنهم يتضررون منها، بأنهم هم "البلطجية الحقيقيون".

 

إعلان

إعلان

إعلان