المواطن نملة.. تأملات في الأبواب العالية

المواطن نملة.. تأملات في الأبواب العالية

ياسر الزيات
09:01 م الأربعاء 03 يناير 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

تستغرق الجولة النهرية القصيرة في نهر فلاتفا، الذي يشق العاصمة التشيكية براغ إلى نصفين، حوالي الساعة، ويمكنك خلالها أن تشاهد بانوراما للمدينة الساحرة، وأهم معالمها. من قلب النهر الذي يشبه النيل كثيرا، ومن بين القلاع والمباني والكباري الأثرية التي يبدو فيها السائحون كالنمل، استوقفني مبنى وزارة التجارة والصناعة التشيكية، وهو مبنى يشبه كثيرا مجمع التحرير: الضخامة نفسها، والنوافذ الضيقة نفسها، والأبواب العالية نفسها، واللون الكئيب نفسه.

عندما وصلت إلى براغ، قلت لنفسي إنني محظوظ لأنني زرت مدينة بهذا الجمال، لكنني لاحظت أن أغلب التشيكيين لا يبتسمون كثيرا، وإن ابتسموا فهي ابتسامات مجاملة للسائحين، لأن السياحة هنا هي مصدر الدخل الرئيسي، كما كان الأمر في مصر في زمن ليس ببعيد.

شعرت بأن الهواء ثقيل، وقلت لنفسي إنه ربما لا يزال محملا ببقايا فترة الحكم الشيوعي، عندما كان الهواء ملكا للدولة. وعبرت على ملاحظاتي السلبية لكي أمنح نفسي فرصة الاستمتاع بكل هذا الجمال المتناثر في كل شبر من المدينة. وفي متحف فرانز كافكا، الكاتب التشيكي الأشهر، كانت الجدران سوداء، والموسيقى مقبضة وكئيبة، تماما ككتابات كافكا السوداوية، الأمر الذي جعلني أهرب سريعا من المتحف، فلا طاقة عندي لاستعادة هذه الأجواء الكافكاوية، لا في الكتابة ولا في الحياة. لكنني رأيت كافكا معلقا على نافذة من نوافذ مبنى وزارة التجارة والصناعة، أو هكذا تخيلت. لم يكن صرصارا مقلوبا على ظهره، كما في قصصه، بل نملة مشنوقة في نافذة حكومية.

تبدأ علاقتي بالمدن من خلال مبانيها وطبيعتها المعمارية، لأن المباني تحمل طبقات من البشر عبر أزمنة مختلفة، وتحمل جدرانها حكايات وأسرارا تريد البوح بها. وتبدأ علاقتي بالمباني من خلال أبوابها، فالباب- عندي- هو فم المبنى الذي يتحدث به، أما النوافذ فهي عيونه. كان باب متحف كافكا قزما، مقارنة بباب مبنى وزارة التجارة والصناعة، وهو ما جعلني أتساءل عن علاقة الأبواب بالعمارة المرتبطة بالسلطة، سواء كانت هذا السلطة حكومية أم دينية.

استدعيت أبواب المعابد الفرعونية فرأيتها شاهقة بشكل يجبر من يدخلها على الإحساس بالضآلة تجاهها أو تجاه ما تمثله من سلطة هي مزيج بين الدين والحكم في ذلك الوقت. لكن هذا النوع من الأبواب يتكرر عبر الأزمنة في المباني التي تمتزج فيها أشكال مختلفة من السلطة، فهو متكرر في الكنائس والمساجد وفي المعابد اليهودية أيضا، كما أن الهدف منها متكرر، وهو الشعور بالضآلة كإنسان أمام رمزية مبنى يمثل السلطة، أن تتملكك الرهبة عند دخولك إلى هذا المكعب الضخم، فتتحول نفسيًا إلى نملة، وتجعل الأولوية لنجاتك من أن تدهسك هذه الكائنات العملاقة التي يُهيأ لك أنها تعيش في هذا المبنى.

يحمل الخيال الشعبي الكثير من الأساطير عن كائنات عملاقة تعيش في مبانٍ ضخمة، وتحول الكثير من هذه الأساطير إلى محتوى ديني وأقاصيص تروى عن عماليق، تبين أنهم لم يكونوا موجودين في أي وقت من تاريخ البشرية، فمن أين أتت هذه الخيالات والأساطير؟.

ظني أنها جاءت من الإحساس بالضآلة أمام تلك الأبواب الضخمة التي تخشى أن تتحدث إليك فيقتلك صوتها من الرعب، أو أن تنفخ فيك فتطير بعيدا في الفضاء، مثلما تفعل أنت مع نملة على حافة مطبخك.

سيتغير هذا حتما، وفي وقت قصير جدًا، بعد أن تحول أغلب المعاملات الحكومية في دول العالم إلى معاملات إلكترونية يمكنك قضاؤها من شاشة اللاب توب، أو من الموبايل. ستنقلب الآية إذن، أو أنها انقلبت بالفعل، ومنحت التكنولوجيا البشر قدرة على الإمساك بالسلطات كلها في جهاز أصغر من كف اليد. لن تحتاج بعد الآن إلى عبور تلك الأبواب السلطوية العالية المرعبة، لأن وظيفة الحكومات تغيرت، وتحولت إلى خدمة المواطن وإرضائه.

إعلان

إعلان

إعلان