تاريخ الثورة في الصعيد

تاريخ الثورة في الصعيد

محمد شعير
09:00 م الجمعة 12 يناير 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

 

"يعاني أغلب الأهالي هنا معاناة شديدة بفعل البؤس الذي يرزحون فيه، إنهم يعيشون على الخبر المصنوع من الذرة والبصل.. وأسباب هذا الوضع كثيرة: المنتجات التي يزرعونها تكفي بالكاد لدفع ضرائب الحكومة عن الأراضي ولإعالتهم، مرض السواف (داء يصيب الماشية)، سلب النقود والغلال منهم في أوقات سابقة إذ اقترضوا الأموال بمعدل فائدة مرتفع لأجل دفع القسط الشهري من الضرائب ثم ردوا القرض في شكل غلال بثمن بخس...هبط مرض الكوليرا ومرض السواف بأوضاع الفلاحين إلى أسفل سافلين"... المقتطف السابق من تقرير أرسله مصطفى أغا وكيل القنصل الإنجليزي في الأقصر عام 1884، كاشفا عن معاناة الفلاح المصري في الجنوب، وقد استشهدت به الباحثة زينب أبو المجد في كتابها "إمبراطوريات متخيلة: تاريخ الثورة في صعيد مصر"، (الصادر مؤخرا عن المركز القومي للترجمة بترجمة متميزة للباحث أحمد زكى عثمان).

الكتاب ينتقم من رواية التاريخ الرسمية التي ترى أن العاصمة /القاهرة هي المبتدأ والمنتهى في نضال مصر ضد كل أنواع الاحتلال الذي وفد إلى البلاد، وحسب مترجمه: "ترى الكاتبة أن هذه الرواية الرسمية محض رواية انتقائية للتاريخ سطرتها وروتها البرجوازية القاهرية برجالها ونسائها، وسارت على منوال الرواية التي نسجها المؤرخون الاستعماريون، بالتركيز على القاهرة بوصفها مقرا للدولة المركزية وباعثة نهضتها ومركز السياسة والاقتصاد والثقافة والعصيان فيها".

ننصت في الكتاب إلى صوت الصعيد، وهو يحكى روايته، أو تاريخه البديل للرواية الرسمية، وهو الأمر الذي كلف الباحثة غوصا في مئات الوثائق والمكاتبات وقضايا المحاكم الشرعية وسجلات مضابط الأحكام.

وهكذا سنقرأ حكاية الأمير همام، صاحب محاولة استقلال الصعيد في القرن الثامن عشر عن الدولة المركزية، وقد أسس نظاما جنينيا لدولة عادلة، تمتع فيها الفلاحون شكل ما من الرفاهية الاقتصادية، وتمتع فيها الأقباط بدرجة عالية من المساواة، أراحتهم من استبداد العسكر المماليك.

سنقرأ أيضا حكاية "أول ثورة شيوعية في الصعيد" قادها الشيخ أحمد الطيب النقشبندي عام 1864. وطالب الطيب أحمد في ثورته التي انضم لها آلاف الفلاحين وقبائل العرب في محافظتي قنا والأقصر بتوزيع الأراضي للفلاحين وأبناء القبائل، ودفع الظلم الواقع عليهم من الجاليات الأجنبية التي كانت تستحوذ على أراضي الصعيد وخيراته، وأدت الثورة لمقتل حوالي 1600 مواطن قطعا بالفئوس من قبل السلطة المركزية في القاهرة.

منذ القرن السادس عشر عمدت كل الإمبراطوريات الاستعمارية التي ارتحلت إلى جنوب مصر إلى تهميش الصعيد، ودعمت تلك الإمبراطوريات فكرة أن مصر دولة موحدة، لذا ينبغي إخضاع الصعيد بالقوة تحت سيطرة النخبة الشمالية المتنعمة برضاها، وهو ما أدى إلى تدمير متلاحق للصعيد، وإهمال الزراعة والري، وتفشى أوبئة الطاعون والكوليرا. وعندما نقرأ ما جرى منذ القرن السادس عشر، سنكتشف أن شيئا لم يحدث للصعيد على مدى أربعة قرون، لا تزال عبارات الرحالة والمغامرين حول أحوال صعيد مصر صالحة للاستخدام إلى الآن.

الكتاب مهم وفريد، وإن كانت مؤلفته تخلط أحيانا بين مفهوم الثورة، وبين مغامرات قطاع الطرق أو مطاريد الجبل في الصعيد..ولكنها تبرر ذلك بأن المؤرخين الأوروبيين قدموا تصورات لهذا النوع من الجرائم في جنوب إيطاليا في القرنين التاسع عشر والعشرين باعتبارها حركات اجتماعية ذات طابع تقدمي، بل أن مؤرخا مثل إريك هوبسباوم استخدم مصطلح "العصابات الاجتماعية" وصفا لهم، واعتبرهم مجموعات للمقاومة الشعبية التي تستخدم أساليب بدائية وخارجة على القانون للتمرد.

إعلان

إعلان

إعلان