أوقفوا جنون الاجتماعات!

أوقفوا جنون الاجتماعات!

د. ياسر ثابت
09:00 م الثلاثاء 12 سبتمبر 2017

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

الاجتماعات المطوّلة صداع في رؤوس المشاركين فيها.

من المفترض أن تُحسّن الاجتماعات الإبداع والإنتاجية، لكنّها تفعل العكس عندما تكون مفرطة، أو مدرجة في التوقيت الخاطئ، أو مُدارة بشكل سيئ، أو الثلاثة معـًا. هذه المشكلات تؤثر سلبـًا على المؤسسة بأكملها، وتتطلب إصلاحات منهجية.

في مقابلات أجرتها دورية "هارفارد بزنس ريفيو" (العدد 10- 2017) مع مئات المديرين التنفيذيين، في مجالات تتراوح ما بين التقنية المتقدمة وتجارة التجزئة، والمستحضرات الدوائية والاستشارات، شكا كثيرون من أنهم يشعرون بالقهر بسبب اجتماعاتهم، سواء أكانت رسمية أو غير رسمية، تقليديّة أو ذكية، وجهـًا لوجه أو عبر وسيط إلكتروني.
64 % من المستطلعة آراؤهم في دراسة "هارفارد بزنس ريفيو" قالوا إن الاجتماعات تأتي على حساب التفكير العميق، و65 % قالوا إن الاجتماعات تحول دون إكمال عملهم، و71 % أفادوا بأن الاجتماعات المطوّلة أو المفرطة غير مثمرة وغير فعّالة، و62 % ذكروا أن الاجتماعات تُفوِّت فرص التقريب ما بين الأعضاء.

تلك الشكاوى تؤيدها أبحاث تبين أن الاجتماعات ازدادت طولًا وتواترًا على مدى السنوات الخمسين الماضية، لدرجة أن المديرين التنفيذيين يقضون فيها ما متوسطه نحو 23 ساعة أسبوعيـًّا، بعد أن كان المتوسط أقل من 10 ساعات في الستينيات، وهذا لا يشمل كل التجمّعات العشوائية التي لا يتم إدراجها في جدول الأعمال.

تقول كاتبة الموضوع ليزلي إيه بيرلو، الأستاذة في كلية هارفارد للأعمال: لقد كُتِبَ الكثير عن هذه المشكلة، بيد أن الحلول المقترحة عادةً ما تكون سطحية، مثل: ضع جدول أعمال، اعقد اجتماعك واقفـًا، انتدب شخصـًا ليحضر مكانك، وما إلى ذلك.

غير أن التحسّن الحقيقي يتطلب تغييرًا منهجيـًّا؛ لأن الاجتماعات تؤثر على كيفية تعاون الناس مع بعضهم بعضـًا وكيفية إنجازهم لأعمالهم.

مع ذلك، نادرًا ما يتم التفكير في إحداث تغيير من هذا القبيل. فعندما بحثتْ المجلة المتخصصة في عِلِّة تَحمّل الناس للضغط الذي تفرضه الاجتماعات على وقتهم وعلى عقولهم، اكتشفتْ شيئـًا مثيرًا للدهشة، حيث يدافع المستاؤون من الاجتماعات عنها أيضـًا وبشغف كبير أحيانـًا، باعتبارها "شرًّا لا غنى عنه".

تأمَّل ما يقوله أحد كبار المسئولين التنفيذيين في مجال صناعة المستحضرات الدوائية على مدونة شركته:

"أعتقد أن غزارة الاجتماعات في شركتنا هي الضريبة الثقافية التي ندفعها من أجل بيئة التعلم الشاملة التي نود تعزيزها، وإنني لأرحب بذلك. إن كان البديل للمزيد من الاجتماعات هو مزيد من صنع القرارات الاستبدادية، وقِلّة المدخلات من جميع المستويات في المؤسسة بأكملها، وفرص أقل لضمان الاتساق والتواصل عن طريق التفاعل الشخصي، فلتعطوني إذن المزيد والمزيد من الاجتماعات في أي وقتٍ كان".

لا شكَّ في أن الاجتماعات ضرورية لتمكين التعاون والإبداع والابتكار، فهي غالبـًا ما تعزز العلاقات وتضمن تبادل المعلومات بشكل مناسب، ومن ثم تقديم فوائد حقيقية، ولكن لماذا يُجادل أي شخص في الدفاع عن الاجتماعات المفرطة، لا سيّما عندما لا تروق للبعض؟

السبب هو أن المديرين التنفيذيين يودّون أن يكونوا جنودًا مثاليين. ذلك أنهم عندما يضحُّون بوقتهم ورفاهتهم من أجل الاجتماعات، يفترضون أنهم بذلك يفعلون ما هو أفضل للشركة، ولا يُدركون تكاليف ذلك بالنسبة للمؤسسة، فهم يتغاضون عن الخسائر الجماعية في الإنتاجية وفي التركيز والمشاركة.

من ناحية الوقت، ثمة مضيعة حقيقية هنا، فكل دقيقة تُقضى في اجتماع عديم الفائدة تستهلك الوقت في العمل الفردي الذي لا يقل أهمية عن الإبداع والفعالية. ومن ناحية أخرى تعرقل جداول الأعمال الحافلة بالاجتماعات "العمل العميق"، وهو تعبير يستخدمه أستاذ علوم الكمبيوتر في جورج تاون، كال نيوبورت، ليصف القدرة على التركيز دون تشتت على مهمة تتطلب جهدًا إدراكيًّا أو إبداعيًّا.

ثمة مشكلة أخرى، ألا وهي الثمن الباهظ الذي تدفعه الشركات مقابل الاجتماعات المدارة بشكل سيئ. هناك عادةً مشكلات تبدأ من الخروج عن موضوع الاجتماع، والشكوى، مرورًا بالانتقادات التي تحوِّل الاجتماع إلى "سوق".

ينعكس ذلك على مدى رضاء المشاركين في الاجتماعات عن أنفسهم وعن الشركة التي يعملون لديها.

والحل؟
ربما يجب أن تحدد المجموعات أولًا أي نوع من الوقت تهدره اجتماعاتهم عادة، وقت المجموعة، أم وقت الفرد، أم كلاهما. ثم يمكنهم بعد ذلك اتباع عملية للتغيير مكونة من خمس خطوات: (1) جمع الانطباعات من كل عضو، (2) تفسير تلك الانطباعات معـًا، (3) اختيار هدف للمجموعة لتحسين الاجتماعات التي تبدو ذات صلة ومحفزة شخصيـًا، (4) قياس مدى التقدم، (5) التحقق بانتظام للتأكد من عدم رجوع الموظفين إلى الأنماط القديمة.

لا يصح أن تكون الاجتماعات عبارة عن فخ نصبته لنا ثعالب ترتدي ملابس رسمية؛ ولذا يمكن أن تكون مسارًا للتغيير البنّاء، وتحسين الإنتاجية، والتواصل، وتكامل عمل الفريق، ناهيك عن الرضا الوظيفي والتوازن ما بين الحياة الشخصية والعمل.

المهم أن نفعل شيئًا لوقف جنون الاجتماعات!

إعلان

إعلان

إعلان