عن وهم الرجولة

عن وهم الرجولة

ياسر الزيات
09:00 م الأربعاء 06 ديسمبر 2017

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

أقول لنفسي إنني قوي، وأكرر ذلك كثيرًا، ولكنني لا أدرك- ربما- أن قولي هذا يعني، بالضبط، أنني لست قويًا بما يكفي. أقول لنفسي إنني لست قويًا بما يكفي، لكنني لا أمتلك القوة والشجاعة لإعلان ذلك، فأكتمه، وأقول لنفسي إنني قوي. أيهما أنا؟ لا أدري. ومتى ينتهي هذا الصراع الداخلي الدائم؟ لا أدري. وكل ما أعرفه أننا يجب أن نتوقف عن كل شيء أحيانًا، حتى لا ننهار .تمامًا. لكن هل نمتلك القوة الكافية لفعل ذلك؟ لا أدري

ربما كانت تربية الصعيد قاسية على طفولتنا. أتذكر قول الشاعر الصعيدي أمل دنقل: "هل أنا كنت طفلًا، أم أن الذي كان طفلاً سواي؟". يفتح هذا السؤال شاشة الماضي أمامي، لأستعيد طفولتي. هل كنا أطفالاً في الصعيد، أم مجرد خامات في مصنع آلي لصناعة رجال؟ كانت ألعابنا خشنة، بل عنيفة، وأغلبها مرتبط بالقتال، تحركه قيمة عدم الهزيمة (لا أريد أن أسميها قيمة النصر). وكانت اللعبة السائدة بيننا في طفولتنا أشبه بالجودو، فهي تقوم على اشتباك بين طفلين، بغض النظر عن حجم أي منهما، ويكون الانتصار فيها لمن ينجح في أن يوقع الآخر، بحيث يلامس الأرض.

كنت نحيفًا كالبوصة، كما كانوا يقولون، وكان هذا مغريًا لبقية الأطفال لكي يختاروني منافسًا، فأنا المكسب السهل المضمون. ولم يكن بإمكان أحد أن يرفض التحدي، وإلا لحق به العار، ووصمه مجتمع الأطفال، بكل قسوته، بأنه جبان. ولم أكن نحيفًا فقط، بل كنت ابن موظف، مدللاً، وأبدو نظيفًا دائمًا، أي أنني طريّ بالنسبة لهم، وصيد سهل. يجب أن أقبل التحدي، فالرفض ليس اختيارًا بالنسبة لطفل وحيد- وقتها- يسهل أن يعاقبه الأطفال الآخرون برفض اللعب معه. وهووووب: أسقطني منافسي- بكل سهولة، وكما هو متوقع- على الأرض. ومن موقعي على التراب، سمعت أصوات الضحكات تتعالى من دائرة الأطفال التي تحيط المتنافسَين. هل كان هناك متنافسان حقًا؟ قمت، وتحديت منافسي أن يسقطني مرة أخرى، فابتسم، ورحَّب بالتحدي. وهووووب: أسقطني، بكل سهولة، للمرة الثانية، لكنني هذه المرة لم أسمع ضحكات المتفرجين، بل سمعت عبارات من قبيل: "انشف ياد"، و"قوم نضّف هدومك"، وكان ذلك أقسى من الضحك. في تلك اللحظة، خنقتني الدموع، وطلبت تحدي الفائز للمرة الثالثة، فقوبل طلبي بضحكات المتفرجين. كان عليّ أن أفعل كل شيء، لكي لا ألمس الأرض. كانت الدموع تغطي وجهي، وأنا أقاوم، وأسمع الضحكات من حولي، ولم يكن الانتصار هدفي، بل عدم الهزيمة. طالت المباراة، في هذه المرة، وأوشكت على السقوط مرات عديدة، لكنني تماسكت، حتى بدا التعب على منافسي، الذي كان يلعب بكل ثقة في البداية، وتمكنت منه في لحظة لم أخطط لها، فأسقطته أرضًا، وسمعت الهتاف من المتفرجين: "هيييييه"، وسمعت سخريتهم من منافسي الذي .هزمه الولد النحيف كالبوصة، فشعرت- بكل طفولة- بالفخر

بعد الانتصار، مباشرة، اختفيت خلف جدار، وبكيت. لم يكن بإمكاني أن أبكي أمام الجمع، فليس لصعيديّ أن يبكي، وهو درس نتعلمه منذ الطفولة: "مافيش راجل يبكي كده زي الحريم". أي رجولة في عدم البكاء؟ لا أدري. كان الصعيد قاسيًا على طفولتنا، لكي يجعل منا رجالاً، لكنه جعلنا آلات تجيد عدم السقوط، لكنها لا تجيد البكاء؟ هل كانت طفولتنا إنسانية؟ هل جعلونا رجالاً حقًا؟ ربما، ولكننا رجال على أنقاض طفولتنا. والآن أريد أن أبكي، فهل أنا قويّ بما يكفي .للبكاء؟ لا أدري.

إعلان

الأخبار المتعلقة

إعلان

إعلان