المهزومون دائمًا

المهزومون دائمًا

د. أحمد عمر
09:00 م الأحد 17 ديسمبر 2017

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

في مفتتح كتابها "المبتسرون"، الذي سجلت فيه الراحلة "أروى صالح" تجربتها السياسية وسيرتها الذاتية، وتجربة وسيرة الحركة الطلابية في سبعينيات القرن الماضي، وقصة أحلامهم الوطنية والشخصية المُجهضة، توقفت كثيراً عند قولها: "إنها شعرت بعد سنوات من تلك الفعاليات بغربة عن الهموم الوطنية".

هذا يعني أنها شعرت بإحساس عميق بلا جدوى أن تكون إيجابية ولها حضور ومشاركة في الحياة العامة والأنشطة السياسية، ولهذا أحدثت قطيعة مع ماضيها، وتحولت بالتدريج إلى إنسان لا مبالٍ بما يحدث حوله، وانغلقت على ذاتها واحتياجاتها الشخصية. 

ومع ذلك ظلت تعاني مشاعر الاغتراب عن سياقها ومحيطها، مثل كل المبتسرين وناقصي التكوين من أبناء جيلها، ولهذا قررت أن تضع كلمة النهاية لحياتها، وتُلقي بنفسها يوم 7 يونيو 1997 من الدور العاشر، ليكون انتحارها صرخة ورسالة يجب أن نتأمل كثيرًا في مضمونها ودلالاتها.

بعد ذلك، رُحت أقارن حالها ومصيرها بحال ومصير "المثقفين الملتزمين" من جيل الستينيات، بعد هزيمة يونيو 1967 التي أطاحت بأحلامهم الوطنية والشخصية، وقد كتب حكايتهم ببراعة الأستاذ بهاء طاهر في روايته "الحب في المنفى"، من خلال عرض قصة بطل الرواية الهارب إلى إحدى مدن الشمال الأوروبي، وصديقه الهارب مثله من هزائمه الشخصية والوطنية، والمقيم في بيروت.

في الرواية نجدهما يجتمعان بعد فراق طويل في تلك المدينة الأوروبية، ويصف البطل في سياق تفاصيل اللقاء حاله وحال صديقه فيقول: "هو مثلي يتشبث بيقينه لكي لا ينتهي عالمه، لكي لا يسقط حلمٌ دفعنا فيه ثمنًا عمرًا بأكمله".

وهذا يعني أن البطل وصديقه، فضلا أن يخدعا ذاتهما، ويعيشا في الأوهام، بدلًا من نقد الذات والتجربة، ليعرفا حجم الفشل الذي مُنيت به أحلامهما الخاصة والعامة، وأسبابه، ويسعيا لتصويب الأخطاء واستدراك ما فات.

ورحت بعد ذلك أقارن حكاية جيل الستينيات والسبعينيات، بحكاية أبناء جيل الثمانينيات والتسعينيات، وهو الجيل الذي عاش سنوات فتوة أحلامه وتكوينه في فترة حكم الرئيس الأسبق مبارك، التي تُعد أكثر الفترات ترديًا وجمودًا في تاريخ مصر الحديث، وشاركوا في ثورتي 25 يناير و30 يونيو بهمة عظيمة، لأنهم وجدوا فيهما أملًا في الإصلاح والتغيير.

ولأن ريح الثورتين لم تأت لهم بما اشتهت أنفسهم، وتعاقبت عليهم الهزائم النفسية، رأينا بعضهم يهرب لمشاعر اللامبالاة والإحساس باللا جدوى. وبعضهم الآخر يستغرق في الوهم وخداع الذات، ويسرف في أحلام الرومانسية الثورية ونقد الواقع والسلطة والمجتمع.

وهذا عندي انتحار معنوي، يجعل المثقفين الملتزمين "مبتسرين ناقصي التكوين مهزومين دائمًا"، ويكرّس على نحو أكبر لغربتهم عن سياقهم وواقعهم، ويجعلهم قوة غير فاعلة أو مؤثرة في المجتمع.

وفي تقديري الشخصي فإن المثقف الملتزم لن يهرب من هذا المصير إلا بتجاوز أوهامه عن ذاته والواقع والعالم من حوله، وبممارسة نقد الذات، قبل نقد السلطة والمجتمع، وبالاعتراف بالفشل، وبالحاجة إلى معرفة أشكال وأسباب هذا الفشل، وكيف يمكن تجاوزه، تمامًا مثلما فعل الكاتب المسرحي السوري الراحل "سعد الله ونوس" عندما قال بعد غزو العراق للكويت وحرب الخليج الثانية، وانهيار حلم جيله في الوحدة والقومية العربية: "لقد تحطمت أحلامنا وأوهامنا في غضون سنوات قليلة، إنني الآن أجلس بين خرائبي الشخصية محاولًا أن أستوعب حجم الخراب وأسبابه الجوهرية".

فصل المقال، أظن أن المثقف الملتزم اليوم في أشد الحاجة- قبل أن يحلم باستعادة دوره وفاعليته ومكانته-، إلى ممارسة النقد الذاتي بعد الفشل والهزيمة اللذين انتهى إليهما مشروعه على الصعيدين الوطني والعربي، وكذلك الوقوف على التجارب الفاشلة للأجيال الماضية، ليعرف هل أسباب الفشل تكمن في رؤيته وخياراته، أم في بنية تكوينه المعرفي والسياسي، أم شكل علاقته بالمجتمع والسلطة.

إعلان

إعلان

إعلان