وهكذا تم تحصين الرموز ضد الإهانة

وهكذا تم تحصين الرموز ضد الإهانة

د. جمال عبد الجواد
07:00 م الجمعة 10 نوفمبر 2017

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

انتقد موتور قامات تاريخية كبرى، فانتفض النواب، وقرروا وضع حد لهذه المسخرة، فاقترح أحدهم مشروع قانون يحصن رموزنا التاريخية ضد السفالة وقلة الأدب. مقدم مشروع القانون هو النائب عمرو حمروش، أمين سر اللجنة الدينية في مجلس النواب، بما يبشر بأن تاريخ الأمة في طريقه للدخول إلى قائمة المقدسات.

كنا نظن أننا أمة على طريق النضوج، وأن بعضا من الأشياء التي كانت ممنوعة علينا زمن الطفولة والمراهقة، قد أصبحت متاحة لنا الآن. بهذه الروح دخلنا إلى مرحلة إصلاح الخطاب الديني، وإلى نقد كتب يُدرسها الأزهر في مدارسه ومعاهده، بل ونقد بعض المصادر الكبرى، خاصة كتب الحديث، والبخاري على رأسها. كنا نظن ذلك، فإذا بقائمة المقدسات تتسع، ليدخل فيها ما سماه مشروع القانون رموزًا تاريخيًة.

مشروع القانون يُعرّف الرموز والشخصيات التاريخية باعتبارها "الرموز والشخصيات التاريخية الواردة في الكتب، والتي تكون جزءًا من تاريخ الدولة، وتشكل الوثائق الرسمية للدولة، وذلك وفقًا لما يرد في اللائحة التنفيذية". عن أي كتب، وعن أي وثائق يتحدث صاحب القانون؟ هناك الآلاف من الكتب التي تتحدث عن تاريخ مصر، فهل كل من جاء اسمه فيها دخل في دائرة الممنوعات المقدسة؟ وعن أي وثائق يتحدث، فكل "ساعي" خدم لدى الحكومة سنجد اسمه موجودًا في واحدة من وثائق الدولة، مثله في ذلك مثل كل مواطن تلقى مساعدة اجتماعية من تلك التي توزعها وزارة الشؤون الاجتماعية على الفقراء، أو أي مواطن دخل قسم الشرطة لكتابة محضر يشكو فيه الروائح الصادرة عن محل الفرارجي الكائن في العمارة المجاورة.    

صاحب القانون يدرك أن موضوع الرموز التاريخية مُعقد، فقرر ترك الأمر في يد لائحة القانون التنفيذية، وبتنا نتوقع صدور لائحة تنفيذية تشمل قائمة الرموز التاريخية المحصنة ضد الإهانة، وعلى اللجنة الموكلة بذلك أن تقرر ما إذا كان الملوك مينا، وخفرع، وخوفو، ورمسيس، وأحمس مؤهلين للدخول في القائمة، وما إذا كان التجريس اليومي لفرعون موسى يعتبر إهانة لرمز تاريخي، أم أن نبي اليهود موسى، وليس فرعون، هو الذي سيدخل قائمة الرموز التاريخية للشعب المصري. ماذا عن الملك إخناتون، هل سنعتبره مهرطقًا كفر بآمون إله المصريين، أم سيدخل قائمة الرموز باعتباره صاحب ديانة توحيدية؟ ماذا عن صلاح الدين الأيوبي الذي يهوى الدكتور يوسف زيدان انتقاده، طبعًا مكانه محفوظٌ في قائمة الرموز. كان صلاح الدين ملكًا على كل المنطقة من حدود تركيا إلى مصر، فماذا لو قام أحد من نسل رعاياه في العراق أو سوريا بإهانته، فهل يجوز لنا تفعيل القانون ضده، ومطالبة الإنتربول بالإتيان بالمجرم بتهمة إهانة رمز تاريخي للمصريين. ماذا عن الخديوي إسماعيل ذي الأصول الألبانية؟ هل سنكف عن تدارس الديون التي تسبب فيها إسماعيل، لما في ذلك من إهانة لحكمة الرجل ولرجاحة إدارته الاقتصادية. أحمد عرابي رمز، ماشي، فهل الخديوي توفيق الذي خاصم عرابي يعتبر رمزًا مثل أبيه وجده، أم أنه يخلق من ظهر العالم فاسد.

مشروع القانون في مادته الثالثة ينص على أنه "يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات، ولا تزيد على 5 سنوات، وغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه ولا تزيد على 500 ألف كل من أساء للرموز والشخصيات التاريخية، وفى حالة العودة يعاقب بالحبس بمدة لا تقل عن 5 سنوات ولا تزيد على 7 وغرامة لا تقل عن 500 ألف جنيه ولا تزيد على مليون جنيه". كلام رائع، فهكذا ينضبط المنفلتون من المثقفين والكتاب. أنا شخصيًا لما أقرر اتحبس، فمش حاتحبس بأقل من إهانة سعد زغلول أو جمال عبدالناصر. فهذا هو مقام كبار المثقفين (لا مؤاخذة) من أمثالي. أعرف مثقفين مبتدئين يكفيهم الحبس بتهمة إهانة مجدي عبدالغني أو المعلم يعقوب أو زكي جمعة.

ما رأيكم لو نترك التاريخ ورموزه في حالهم، وكفاية علينا الانشغال بالحاضر، لأن المستقبل بالتأكيد في يد الله.

إعلان

الأخبار المتعلقة

إعلان

إعلان