هل نحن بلد فقير حقًا؟ السيارات الحكومية (7)

هل نحن بلد فقير حقًا؟ السيارات الحكومية (7)

د. عبد الخالق فاروق
09:00 م الخميس 12 أكتوبر 2017

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

تميزت المرحلة الأولى من سياسة الانفتاح الاقتصادي (1974 - 1991) بهجرة عدة ملايين من المصريين إلى الخارج، سواء في صورة هجرة مؤقتة للعمل في بعض الأقطار العربية النفطية في الخليج والعراق وليبيا والجزائر ؛ أو في صورة هجرة دائمة إلى بلاد المهجر في أوروبا وكندا وأستراليا والولايات المتحدة وغيرها.

وتقدر بعض المصادر الرسمية وبعض الدارسين حجم هذه الحركة الدائبة والمستمرة من العمالة المصرية خلال هذه الفترة التاريخية بأكثر من اثني عشر مليوناً من المصريين بعضهم في حركة دائرية ودوارة للبلاد العربية والبعض الآخر بالاستقرار الدائم في بلاد المهجر (16).

ومع هذه الهجرات الواسعة؛ برز دور التحويلات المالية الهائلة (العينية أو النقدية) من جانب هؤلاء المهاجرين والعاملين من بلاد المهجر إلى وطنهم الأُم (مصر)، بحيث أصبحت تدريجياً واحدة من المصادر الأربعة الكبار للدخل القومي وللعملات الأجنبية الصعبة (17) .

وكان من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى تحسين مستوى معيشة ملايين الأُسر المصرية في الداخل؛ بقدر ما تركت آثارا سلبية عديدة، سواء في صورة معدلات للتضخم وارتفاع الأسعار الذي ساد الاقتصاد المصري خلال هذه المرحلة، أو في أضرارها ومخاطرها الاجتماعية والمهنية والتعليمية الأخرى.

على أية حال؛ كان من ضمن مظاهر هذا التحسن المعيشي؛ ازدياد أعداد السيارات بجميع أنواعها المملوكة للأفراد والشركات والمؤسسات؛ بحيث زادت عدد المركبات في طرق وشوارع مصر ومحافظاتها المختلفة من 155 ألف مركبة عام 1975، إلى 932477 مركبة عام 1981، ثم إلى أكثر من 2.5 مليون مركبة عام 1995 ، وإلى ما يقارب 4.9 مليون مركبة عام 2008 (18) . ومن بين هذه المركبات نجد أن السيارات الخاصة ( الملاكي ) قد زادت بأكثر من خمسة وعشرين ضعفا من 95 ألف سيارة عام 1974 ، إلى 2.6 مليون سيارة عام 2008 ، وهي مستمرة في الزيادة لتقارب في الوقت الراهن (2017) أربعة ملايين سيارة خاصة.

أما السيارات الحكومية ، وبرغم تباين المصادر الإحصائية في نتائج بياناتها وعدم وضوح الأساس الإحصائي الذي بنيت عليه عمليات الحصر والتعداد ، ودرجة شمولها لكافة قطاعات وروافد القطاع الحكومي بمختلف وحداته، فإننا قد اعتمدنا أساساً على البيانات الصادرة من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لاتساع قاعدة بياناتها .

ووفقاً للجهاز ؛ فإن عدد المركبات المستخدمة في القطاعات الحكومية الأربعة ( جهاز إداري - وحدات محلية -هيئات خدمية - هيئات اقتصادية)، يتراوح في المتوسط بين 77 ألف مركبة و86 ألف مركبة، دون أن يشمل هذا الحصر القطاعات الرئاسية (رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء) والأجهزة الرقابية (مثل الجهاز المركزي للمحاسبات وهيئة الرقابة الإدارية ووزارة الداخلية والمخابرات العامة)، وهذه المركبات موزعة بين كافة الأنواع نصفها تقريباً في صنف المعدات الخفيفة والثقيلة.

وقد قمنا بمحاولة التعرف على متوسطات الأسعار السائدة في السوق المصرية للسيارات، من أجل الاقتراب من تقديرات مناسبة لحجم تكلفة هذا الأسطول الحكومي من السيارات والمركبات بمختلف أنواعها.

وتواجهنا في هذا المجال عدة صعوبات منهجية ينبغي مراعاتها حينما نقترب من هذه العمليات التقديرية الرياضية مثل:
1-أن تواريخ وأعمار هذه السيارات متفاوتة، مما يجعل استخدام أسعار الشراء الآن ، مختلفة إلى حد كبير عن أسعارها منذ عشر سنوات أو أكثر.

2-أن تعدد الأنواع والماركات والسعات تضيف إلى صعوبات الأعمار صعوبة إضافية ، نظراً لاختلاف الأسعار باختلاف هذه العناصر.

3-أن عمليات الصيانة والتجديد واستبدال قطع الغيار ، بقدر ما تضيف للأصل ( المركبة ) ، بقدر ما تؤثر فى قيمتها البيعية سواء في عمليات التكهين أو التخريد اللاحقة.

وللدلالة على حجم تشغيل هذه السيارات الحكومية ، نشير إلى ما ورد من بيانات مالية في الموازنة العام للدولة لعام 2006/ 2007 حيث تبين أن بندين فقط هما :
- وقود وزيوت لسيارات الركوب.
- قطع غيار ومهمات .

قد تكلفا حوالي 482.7 مليون جنيه ؛ وإذا أضفنا إليهما بند "الصيانة" أو الجزء المخصص منه فقط لسيارات الركوب بالقطاع الحكومي - دون الهيئات الاقتصادية وشركات القطاع العام والأعمال العام - فإن الرقم قد يتجاوز 600 مليون جنيه لذلك العام وحده (20) .

وقد زاد هذا المبلغ ليصل عام 2017/2018 إلى 1481.0 مليون جنيه ، وإذا أضفنا إليها الهيئات الاقتصادية وشركات قطاع الأعمال العام والقطاع العام فإن الرقم يتجاوز ثلاثة آلاف مليون جنيه.

وتثير قضية استخدام أسطول من السيارات الحكومية وغيرها من الأصول المستخدمة، قضية من أكثر القضايا تعقيداً في الفكر الإداري والممارسة الإدارية في آن واحد، ألا وهي مسألة الصيانة Maintenance حيث إن كفاءة أية منشأة أو آلة تتطلب وجود نظام جيد للصيانة والتي تنقسم بدورها بين نوعين هما:
- الصيانة الإصلاحية .
- والصيانة الوقائية (23).
وهو ما يتطلب الأخذ بسياسة نشطة وقادرة على التنبؤ Forecasting نظراً إلى أن الصيانة تستهدف تحقيق الاستخدام الأمثل للمعدات أو المنشآت وكذلك :
1- التقليل من إمكانية حدوث الأعطال .
2- زيادة عُمر المنشأة أو الآلة .
3- إيجاد بيئة عمل آمنة للعاملين .
وتشير بعض الدراسات إلى أن المبالغة في معدلات الإهلاك والتقليل من الأعمار الافتراضية للأصول الثابتة، قد تؤدي إلى نتائج مضللة، سواء على مستوى المنشأة أو على المستوى القومي والمحاسبة القومية (24) .

أما هيئة الخدمات الحكومية (وهي الجهة المناط لها قانوناً اختصاص إجراء المزايدات والمناقصات الخاصة ببيع الكهنة التى تزيد على 500 ألف جنيه وحصر الموجودات المخزنية بأجهزة الدولة المختلفة)، فقد قدمت إلينا جانباً آخر من الصورة يعكس الأهمية الاقتصادية والمالية لهذه الممتلكات الحكومية، حيث تبين أن حجم المبيعات من السيارات الحكومية والعقارات والأراضي وغيرها عام 93/1994 قد بلغت حوالي 71.8 مليون جنيه، وقد تجاوزت 1731.9 مليون جنيه خلال الفترة (93/1994- 2005/2006)، منها سيارات حكومية بقيمة 299.4 مليون جنيه، ومنها تبين أن مبيعات السيارات الحكومية قد زادت من 12.2 مليون جنيه عام 93/1994 ، حتى بلغت عام 2005/2006 حوالي 40 مليون جنيه، بما يؤكد الحجم الضخم لهذا الأصل من بين الأصول الحكومية.

وبمقارنة الحالة المصرية بدولة مثل اليونان نجد أن عدد السيارات الحكومية فيها عام 2009، قد بلغ حوالي 57 ألف سيارة، تتكلف سنوياً حوالي 350 مليون يورو ؛ وقد ترتب على الأزمة الاقتصادية التي تعصف باليونان حالياً أن أعلن رئيس الحكومة "جورج باباندريو " المنتخب ( خريف 2009 ) إلغاء استخدام نصف السيارات الحكومية؛ والامتناع عن امتلاك الدولة لأية سيارات تزيد سعتها عن 1600 سي سي. وأكد وزير الداخلية أن هذا القرار يهدف إلى الحد من تكاليف الوقود والصيانة (22).

أي أن التقدير المبدئي لهذه السيارات والمركبات الحكومية (باستبعاد الهيئات الاقتصادية والقطاع العام والأعمال العام والقوات المسلحة والشرطة وهيئات رقابية يتراوح بين (6.4 مليار جنيه إلى 14.1 مليار جنيه) .

وإذا أضفنا إليها ممتلكات هذه الجهات الكبرى ، مثل رئاسة الجمهورية وأجهزة الأمن والرقابة فإن الرقم قد يتجاوز 20 مليار جنيه وفقا للأسعار عام 2010 أي قبل تغريق الجنيه المصري عام 2016.

فهل هذا تعبير عن دولة فقيرة .. وفقيرة قوى كما يقال؟

إعلان

إعلان

إعلان