كيف حزنت مصر على الشهيد "رفاعي الدسوقي"؟

كيف حزنت مصر على الشهيد "رفاعي الدسوقي"؟

ميلاد زكريا
09:07 م الأحد 18 يونيو 2017

في محل صيانة الموبايل، كان صاحب المحل والباشمهندس، يتداولان حديثا حارا، عن الذكرى السنوية الأولى لوفاة صديقهما. كان الفني المتخصص في الصيانة الذى منحناه لقب "باشمهندس"، منهمكا عمله، لكنه كان حزينا لأنه لم يحضر الذكرى الأولى لتأبين الصديق العزيز.

فهمت من الحوار فيما بعد أنهما كانا يتحدثان عن "رفاعي الدسوقي"، بطل مسلسل الأسطورة الذي عرض في رمضان الماضي، واعتبرته قلة من الناس، دليلا على انحطاط ذوقنا، بل انحطاط حياتنا كلها.

بعد دقائق، جاء المندوب الذي يعمل في جلب قطع الغيار من شارع فيصل. كان يستقل "موتوسيكل". قال صاحب المحل إنه يعرف بوصول "إبراهيم" من خلال أغنية "مفيش صاحب" التي تنطلق من سماعات كبيرة في موتوسيكل إبراهيم. 

غادرت المحل، بعد إصلاح الموبايل. وفي الشارع، كان هدير التكاتك بأغنيات "مفيش صاحب" و"أوكا وأورتيجا" و"آه لو لعبت يا زهر"، يهز الشارع بأكمله. وعلى التكاتك كانت صورة رفاعي الدسوقي، قاسما مشتركا، كأنها بديل لتلك الصورة القديمة التي كنا نراها على سيارات النقل، لفتاة عربية صارخة الجمال تضع على النصف الأسفل من وجهها "برقع شفاف" يسمح برؤية الشفتين الحمراوين. وكان السائد شعبيا أن تلك الصورة لملكة جمال السعودية. وانتظرنا سنوات طويلة قبل أن نعرف أن تلك المعلومة كانت خاطئة، لأن السعودية ليست لديها ملكة جمال.

كان الصخب هائلا، كل المحال المتجاورة، ينبعث منها نفس الأغنية، وكل سائقي الموتوسيكلات والتكاتك والصنايعية، يحاولون التشبه في مظهرهم برفاعي الدسوقي. لكن المفاجأة كانت حين مرت إلى جواري سيارة من طراز غالي الثمن، كان بداخلها عدد من الشباب يغنون سويا "يا بتاع النعناع يا منعنع"، ويتحرشون بالفتيات اللواتي يتصادف مرور السيارة بالقرب منهن.

"إذا أردت أن تعرف شعبا.. عليك فقط أن تستمع إلى موسيقاه وتشاهد فنونه"، هذه مقولة صادقة في زعمي، لذلك أرى من الضروري أن نبحث عن إجابة لهذا السؤال: هل محمد رمضان وأوكا وأورتيجا وعائلة السبكي هم الممثلون الحقيقيون لثقافة وقيمة الشعب المصري؟

منذ متى بدأ الشعب المصري يتدحرج إلى هاوية الانحطاط؟

أظن أن العام 1988 هو الذي شهد الخطوة الأولى فى طريق الهاوية، عندما أطلق مغن بدوى يسمى علي حميدة أغنيته الشهيرة "لولاكي". وعلى الرغم من أن صوت المغني كان أقرب إلى نقيق الضفادع ساعة الغروب، فإن أغنيته أصابت جنون الشعب. وتشكلت موجة هائلة من القذارة الفنية أزاحت الكبار الموهوبين علي الحجار ومحمد الحلو ومدحت صالح ومحمد منير.

في تلك الفترة ولد عشرات المغنين الجدد، واستغرقنا الأمر نحو 10 سنوات، حتى نعلن وفاة الموسيقى المصرية، مع بدايات الغزو اللبناني. ومنذ ذلك اليوم، بدأ سقف الفن ينخفض حتى كاد يحطم عظامنا. كان أبرز مغن في هذه الفترة هو شعبان عبدالرحيم، كوكب الشرق في نسخته الرجالية. بينما كانت نانسي عجرم اللبنانية هي كوكب الشرق الحريمي.

ولم تكن السينما في أواخر الثمانينات حتى 1997، بمعزل عن هذا الانحطاط، حتى جاء فيلم "إسماعيلية رايح جاي" الذي حقق إيرادات هائلة رغم فقره وهزاله وتفاهته. تمخض هذا الفيلم عن شابين موهوبين هما محمد هنيدي، وخالد النبوى الخارج من شرنقة يوسف شاهين القاتلة، لكن الأول تاه فى سلسلة أفلام أكثر تفاهة من فيلمه الأول، والثاني اختفى خلف قناع الممثل جامد الوجه.

وما حدث في الغناء حدث في السينما. بشكل متسارع أصبح الغناء مختزلا فى سفاهات ما يسمي "مهرجان"، يسمعه الجميع، فقراء وأثرياء، متعلمون وجاهلون، صنايعية ونخبة. بينما اقتصرت السينما على "اللمبي" والأفلام المسروقة والأفلام المسلوقة، وأشباه الممثلين.

حتى الرقص البلدي، استوردنا له نساء من روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا، وعلى رأسهن، صوفينار خالدة الذكر عالية المقام.

لم يجبر أحد، الشعب، على هذا الفن، بل اختاره بإرادته الحرة. الفن هو المنتج الإنساني الوحيد الذى لا إكراه فيه.

لهذا.. هل تنتظرون أي شيء من شعب يستمع إلى أوكا وأورتيجا وهشام الجخ ويشاهد محمد رمضان وصوفينار؟

مصراوي| تابعونا في صفحة متخصصة تواكب شهر رمضان بتغطية خاصة

إعلان

الأخبار المتعلقة

إعلان

إعلان