الخميس 01 شعبان 1438     الموافق 27 أبريل 2017

اليوم علي مصراوي

مصراوي في مغامرة مع سماسرة الوظائف الحكومية

Print
مصراوي في مغامرة مع سماسرة الوظائف الحكومية

كتب ـ مصطفى فرحات:

اذا كنت خريج كلية التجارة وتبحث عن وظيفة حكومية بشركة الكهرباء، لا تنتظر طابور تعيينات الحكومة. كل ما عليك هو تدبير 50 ألف جنيها، فهذا هو سعر الوظيفة لدى سماسرة التعيينات الحكومية، أما إذا أردت وظيفة في بنك، فإن هذا سيكلفك 100 ألف جنيه للالتحاق بالعمل، ويقفز الرقم المطلوب مقابل وظيفة في شركة بترول إلى 200 و 300 ألف جنيه.

التسعيرة يحددها سماسرة الوظائف الحكومية، تجدهم في المقاهي والتجمعات بحثا عن راغبي التعيين في " الميرى" والعاملين بالمثل الشعبي الشهير "إن فاتك الميري اتمرمغ في ترابه".

تذهب قيمة السمسرة عادة إلى الشخص الذى يمثل الواجهة، غير أن المبلغ يقسم عادة على جيش من المعاونين والموظفين الفاسدين فى المصالح والمؤسسات الحكومية.

"مصراوي" يكشف في السطور التالية تفاصيل عمليات التعيينات الحكومية في مصر التى يسعى إليها الآف الشباب والخرجين العاطلين عن العمل، ووفقا لبيانات الجهاز المركزى للتعبئة والاحصاء عام 2016 فإن 3.5 مليون عاطل في مصر يبحثون عن عمل.

انفوجراف باسعار السماسرة فى التعيينات الحكومية

حكاية إبراهيم مع 3 سماسرة

البداية كانت مع "إبراهيم عبدالرحمن" الذى تواصل مع العديد من سماسرة التعيينات الحكومية اثناء رحلة بحثه عن وظيفة، يقول "كان فيه واحد وعدني بفرصة فى شركة الكهرباء وطلب 50 ألف جنيه، مقسمة على مرحلتين الاولى عند الاتفاق، والباقى عند تسلم العمل والتعيين، لكني رفضت وقتها بسبب خوفي من الوقوع فى فخ النصب".

يضيف إبراهيم: بعد هذه المرة التقيت سمسارا آخر وعدنى بتعيينى فى الجهاز المركزى للمحاسبات، وحصل منى على 2000 جنيه مع تسلمي للورق، ولكنه لم ينفذ الوعد، واسترجعت الفلوس بعد مماطلة لفترة تزيد عن 6 أشهر".

سمسار "طوخ" يطلب من محرر مصراوي 35 ألف جنيه مقابل توظيفه في المجمعات الاستهلاكية

المحاولة الثالثة لإبراهيم للالتحاق بركب الموظفين الحكوميين كانت مع سمسار تعيينات لبنك ناصر الاجتماعى مقابل 15 ألف جنيه، بحسب إبراهيم، الذى أكد أنه حصل بالفعل على خطاب رسمي من البنك يفيد قبوله فى الأسماء المرشحة للوظيفة وأن عليه تحضير بعض الأوراق وإجراء مقابلات مع مسئوليين بالبنك لاعتماد أوراقه.

يقول إبراهيم "بالفعل أجريت عدة مقابلات فى وقت كان السمسار يطلب منى المبلغ المتفق عليه، لكنى رفضت دفع المبلغ لحين تسلم العمل رسميا وانتهاء المقابلات، وهو ما دفع السمسار لتعطيل الملف بالكامل لدى البنك، ومرت سنة حتى الآن ولم يتصل البنك مجددا بى بعد المقابلات التى أجراها".

 صورة من الخطاب الذى تسلمه ابراهيم من بنك ناصر الاجتماعي بتعيينه

كثير من السماسرة لا يعملون بمفردهم، فكلما كبر عدد أفراد شبكة السمسرة، زاد المبلغ المطلوب، وتناقصت مساحة الخوف من الملاحقة القانونية، يقول إبراهيم "الناس دي مش بتشتغل لوحدها، ممكن الواحد منهم يكون معاه خمسة وكل واحد فيهم عاوز ياخد، ودا السبب في إنهم بيطلبوا مبالغ كبيرة، علشان الكل يتراضى من وراك، وهم بيتبعوا معاك سياسة غريبة، بيسحبوا بيها رجلك واحدة واحدة".

لم يختلف الأمر كثيرًا بالنسبة لـ "محمد إبراهيم" الذي لجأ إلى أحد سماسرة التوظيف، الذي وعده بوظيفة كاتب في الحكومة "الاتفاق كان إنى هدفع 5 آلاف جنيه مع تقديم الورق، والتعيين بعد 6 شهور، لكن الحمد لله إنى ما سلمتش الورق لأن السمسار بعدها اتقبض عليه بتهمة النصب" بحسب محمد.

" مصراوي" على طاولة السمسار

قرر محرر "مصراوي" خوض تجربة البحث عن سمسار، فى إحدي القري التابعة لمركز "طوخ" بمحافظة القليوبية. ذاع صيته في القرية باعتباره قادرا على توظيف الشباب في الحكومة، والبعض يقول إن لديه علاقات واسعة فى قطاعات مختلفة، بينما يقول آخرون إنه يجمع الأموال من الشباب ولا يردها، حسب روايات الأهالى.

في محل خياطة أمام منزل سمسار التوظيف، جلس محرر مصراوي مع شقيق السمسار في انتظاره، بدأ الشقيق في توجيه أسئلة لكشف هويته وقدراته المالية عقب التأكد من هوية المحرر والاطلاع البطاقة الشخصية، ثم اتصل بأخيه الذي جاء بعد دقائق من انتهاء المكالمة.

مرت بضع دقائق دون أن يتفوه السمسار بكلمة واحدة، كان خلالها يحدّق في المحرر بعينين متفحصتين، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة أتبعها بسؤال المحرر عما يريده، وفور أن قال له إنه حاصل على بكالوريوس تجارة، سارع بالقول "يبقى هتشتغل في المجمعات الاستهلاكية التابعة لوزارة التموين".

يتابع السمسار قائلا "لو جيت لي الأول أيام مبارك، كنت شغتلك في التعاون أو البترول، لكن دلوقتي البلد مقفولة بقوانين، أنا هجبلك الموافقة من وزير التموين ذات نفسه ورئيس مجلس الإدارة كمان، ما تقلقش".

حكايات 3 من ضحايا السماسرة.. و"القوى العاملة" 15 سنة سجنا للموظف المتورط

بعدها سحب ورقة وكتب عليها المبلغ المطلوب، وقدره ب40 ألف جنيه. حاول المحرر أن يفاصل معه بشأن المبلغ المطلوب، لكنه رد قائلًا "أنت عارف لو بترول هقولك هات 150 ألف، لكن علشان ظروفك برده هشيل 5 آلاف جنيه، يبقى هاخد منك 35 ألف جنيه، والفلوس مقدمًا مع الورق، دا نظامي".

فيما يتعلق بطبيعة العمل في تلك التجمعات الاستهلاكية، أوضح السمسار "الشغل من 10 صباحًا لـ 7مساءً، مرتبك هيكون 1200 جنيه، أول شهر الحوافز ما بتنزلش، من تاني شهر هتاخد 1400 جنيه، وهينزلك بونس وهدايا".

أحد الأهالي يحكي لـ "مصراوي": ابن عمي كان شغال هو وصاحبه في جهينة، ودفعوا له 25 ألف علشان يشغلهم، والفلوس فضلت معاه سنة ونص، بعد ما هددوه إنهم هيشتكوه، ردها، الناس بتقول إنه بيشغل فعلا، بس هو مشغلش ولاد عمي.

الأمان الذي افتقده في عمله بالقطاع الخاص لسنوات طويلة، كان و الدافع لـ "أحمد الخولي" أن يبحث عن أي وظيفة حكومية وبأية طريقة، ففي رأيه أن أقصى عقوبة في القطاع الحكومي تتمثل في غرامة أو نقل، بعكس الخاص الذي يسرحك غير مأسوف عليك.

أحمد الخولى يتحدث لى مصراوى

يحكي "أحمد" لـ "مصراوي": عرفت عن طريق زوج أختي إن فيه سمسار، هياخد فلوس وهيشغلني بتخصصي في النيابة الإدارية، أخدت منه ميعاد وقابلته في كافيه على الكورنيش، واتكلمنا ولما طلب مني الورق اللي المفروض يتقدم، طلب الأصل ما طلبش الصورة علشان يحسسني بالأمان أكتر ويكون كلامه مقنع، خصوصًا إنه طلب مني فيش خلاني أعمله لجهة العمل اللي هروح لها، قابلته مرة تانية، اديته العربون الأول مع الورق، وأخد مني 15 ألف جنيه من أصل 30 ألف جنيه كان طلبهم مني.

"قال لي الفلوس دي مش ليا أنا بجامل بها الموظفين الصغيرين اللي بيخلصوا الورق"، قالها أحمد بنبرة ساخرة.

بعد اللقاء الذي تسلم فيه السمسار العربون من "أحمد"، ظل على اتصال به لمدة 3 أشهر، كان يماطله حينًا ويتهرب منه حينًا آخر، إلى أن فوجئ بأن السمسار أغلق خط التليفون، يوضح أحمد "حاولت أوصل له ماعرفتش، وما قدرتش آخد أي إجراء قانوني ضده لأن ما كنش معايا مستند أدينه بيه".

الحكومة في خلفية الصورة ؟

يرى مصدر مسئول بـ "وزارة القوى العاملة" طلب عدم نشر اسمه، أن الوظائف الحكومية أصبحت تتم من خلال المسابقات التي تعلنها الحكومة، الأمر الذى فتح الباب لمزيد من المجاملات وكل الطرق غير القانونية، ويضيف "التعيينات الحكومية ما بقاش عليها لا رقيب ولا حسيب، بيعملوا المسابقة ويعينوا صاحب الواسطة، وأنا لا أشك في أن بعض الوظائف الحكومية يتم شغلها بأوراق مضروبة".

يضيف أنه لابد من عودة قطاع التشغيل إلى وزارة القوى العاملة، وتكون الوظيفة بناءً على ترشيحات الوزارة، وهذا من شأنه أن يقطع باب الواسطة وكل الطرق غير القانونية.

ويكمل المصدر حديثه قائلًا "بنسمع عن موضوع سماسرة الوظائف، لكن ما نعرفش الدنيا فيه ماشية ازاي، أنا كتير بيجيلي شباب وبيقولوا إحنا اتعرض علينا وظائف بخمسين ألف جنيه".

"عبدالله المغازي" الخبير القانوني، أوضح لـ "مصراوي" أن كل الوظائف التي تأتي عن طريق سماسرة التوظيف، تدخل تحت بند النصب، لأن التعيين في الوظائف الحكومية يتم عن طريق الإعلانات طبقًا للمادة (12) من قانون الخدمة المدنية، التي تنص على"يكون التعيين على أساس الكفاءة والجدارة دون محاباة، أو وساطة من خلال إعلان مركزى على موقع بوابة الحكومة المصرية، متضمنا البيانات المتعلقة بالوظيفة وشروط شغلها".

وبخصوص عقوبة من يثبت تورطه في سمسرة وبيع وظائف، يقول الخبير القانوني "أي شخص بيوعد شخص آخر بالتوظيف نظير مقابل مادي، عقوبته في القانون 3 سنوات سجنا للفرد العادي، و15 سنة للموظف الحكومي لأنها تدخل في بند عقوبات الوظيفة العامة وفي دائرة التربح واستغلال النفوذ". مشيرًا إلى أن تلك العقوبة كافية، لكنها غير مطبقة فعليًّا، ولابد من وجود رادع.

وقال "محيي الدين طنطاوي" وكيل وزارة القوى العاملة لـ "مصراوي"، أن الطريق الوحيد للتعيين في أي وظيفة حكومية، من خلال إعلانات المسابقات التي تعلن عنها الوزارات والمحليات، فيما عدا ذلك يعد غير قانوني.

بمواجهة "وكيل الوزارة" عن الدور الذي تلعبه الواسطة في التعيينات الحكومية، أكد على أنه لا توجد حاليًا واسطة في التعيينات، بسبب الرقابة الشديدة عليها، وتمتع الجهات المسئولة بالشفافية بعد الثورة، وإن الواسطة كانت موجودة بالفعل عندما كانت التعيينات تتم عن طريق الإعلانات الداخلية.

وعن سمسرة الوظائف الحكومية، قال "طنطاوي": ما سمعتش قبل كدا عن موضوع سمسرة الوظائف، لكن كل شيء وارد، وما فيش أي حالات تم ضبطها داخل القطاعات الحكومية، وأي فرد يثبت تورطه، لابد من عقابه لأن هذا يدخل تحت طائلة النصب".

لمتابعة أهم وأحدث الأخبار اشترك الآن في خدمة مصراوي للرسائل القصيرة للاشتراك

اضف تعليق

موقع مصراوي غير مسئول عن محتوى التعليقات ونرجو الالتزام باللياقة في التعبير

الي الاعلي