atta_dorgham
54

تقييم الكاتب:54

atta_dorgham

تقييم الكاتب :54

بتاريخ : 01/09/2012 12:04:00 ص- المشاهدات : 852

الإحترام والتسامح بين المسيحية والإسلام-6

الإحترام والتسامح بين المسيحية والإسلام-6

اسم السلسلة: الدين والحياة

مساحة إعلانية خاصة بالكاتب

الإحترام والتسامح بين المسيحية والإسلام/جوليو تشيبلوني
ت / محمد المزوغي /



الأسباب التي أدت بالبابوات إلى اعتبار المسيحيّين المخالفين أبشع من أصحاب الديانات الأخرى ومن الوثنيين أنفسهم هي عديدة ولكن يمكن اختزالها جوهريا في سبب واحد. هؤلاء المسيحيين لا يقبلون أوامر البابا أو الكرسي الرسولي في مجالات مختلفة، مثل السياسة، واجب التعبئة للحرب الصليبية، عدم الرضاء بالتحالفات الغير مفيدة، أو رفض الذهاب إلى الحرب في الأراضي المقدسة. وفي بعض الحالات هناك صدام مباشر، إلى درجة التهكّم، بين مسيحي وخليفة المسيح، مثل حالة (Marcoaldo d’Anweiler). أما الحالة الأكثر فضحا، فهي حالة صِدَام الإمبراطور فريدريك الثاني مع البابا والذي لم يعبأ بتكفيره المتكرّر.
4 ـ من أجل التعايش. الخدمة الإنسانية والتبادل المعرفي
إن الخروج من حالة الصدام على مستوى القوّة والهيمنة، والدخول في جوّ المعاملات الانسانية المتبادل، هو القاعدة لانجاز مشروع التعايش السلمي. واحد من بين أعراض ثقافة التعايش هو تجربة الخدمة المتبادلة بأعمال عينية، خصوصا في حالة مدّ يد المساعدة للمحتاجين والمتألمين. علاوة على التحاور المفتوح والنزيه في المستوى العقائدي، التبادل الثقافي والتأثير المتبادل في مجال الفن والرياضة، والتجارة، فإن الخدمات المتبادلة لتضميد الجراح والقضاء على البؤس لهو من الأهمية الحيوية بمكان، خصوص في حالات الفتن والحروب. فالكلام الإلهي كمحبّة شاملة وتجسّد في شخص المسيح بالنسبة للمسيحيين، أو كالإله المتمثل في أسمائه الحسنى التسع والتسعين، له في أعمال الرحمة نواته الصلبة، فهي الغاية المُثلى حيث تتمظهر بجد إنسانية الإنسان.
ليس هذا المجال لايراد الشهادات العديدة المدعمة لهذا التوجه الإنساني، لكن الإنجيل وآيات عديد من القرآن، هي المواضع التي نعثر فيها على شهادات تحرّض على فعل الخير والرحمة بالمخلوقات، كخدمة مؤسسة للتعايش السلمي بين البشر.
وبخصوص هذه النقطة، أعني انشاء مشروع خدمات ليس فقط للمسيحيين بل للمسلمين، يمكن ذكر البابا إينّوسانس الثالث، من حيث تأكيده على أن الأعمال الخيرية «صالحة للمسيحيين  ولغير المسيحيين». وقد عرض فكرته هذه في بداية توليه الكرسي الرسولي وذلك من خلال رسالة بعث بها إلى أمير المؤمنين الموحدي عبد الله محمد الناصر، (8 من جمادى الأولى، سنة 595 هـ، 8 مارس 1199 ميلادية). هذه الوثيقة كثيرا ما استُشهد بها عند التأريخ للعلاقات الدولية بين المسيحية والإسلام وخصوصا بين البابوية والإسلام. فمن حيث المحتوى يمكن القول بأن هذه الرسالة هي حالة استثنائية. بالتأكيد كانت هناك ظروف تاريخية مختلفة أثرت في البابا إينّوسانس الثالث جعلته يختار أمير مؤمنين من الغرب الإسلامي عوضا عن أمير من الشرق. على كل حال، بعيدا عن هذه التأثيرات الخارجية، بامكاننا العثور في نص الرسالة نفسها التي قدّمت أعمال بعض رجال الدين المسيحيين وعرّفت بقواعدهم الحياتية، على الجدّة في المشروع المسيحي للتحرر.
البابا يقدّم هؤلاء الناس لا كطائفة دينية بل كرهط ما (viri quidam) لهم مشروع تبنّوه بعد دراسة وتمعّن. ومعلوم أن المسلمين لا يقدرون، هذا إن لم يكونوا حانقين على المتدينين المحاربين، الذين يتزيّنون بالصليب. إينّوسانس الثالث يشرح كيف أن، بسبب منهاجهم في الحياة المعمول بها في طائفتهم، هذا الرهط من الرجال نذروا أنفسهم لفداء الأسرى المسلمين. هؤلاء المحررين يخصصون ثلث أموالهم لهذا الغرض؛ أخير البابا يُعلن بأنه مسموح لهم (est concessum) تحرير أسرى مسلمين لمبادلتهم بأسرى مسيحيّين وذلك بخرق القانون الكنسي ساري المفعول آنذاك، والذي أعيد تأكيده سنة 1215 في المجمع اللاتيراني الرابع.
فعلا، كان هناك حظر كنسي تام لأي شكل من أشكال التبادل التجاري مع العالم الإسلامي، وأي مخالفة في هذا الشأن تؤدي بصاحبها إلى التكفير والإبعاد. ولأسباب حسابات سياسية دنيوية امتنع التمبلار (Templari) سنة 1212 من تحرير الأسرى المسلمين، لافتداء الأسرى المسيحيّين على الرغم من الدعواة المتكررة. وقبل حادثة العصيان هذه، يمكن أن نشير إلى أن في معاهدة السلام المُبرمة بين صلاح الدين وريتشارد قلب الأسد، لم يُعرَّج فيها على أية إمكانية لتحرير الأسرى أو افتدائهم. فالحسابات السياسية الاقتصادية تغلبت على مصالح آلاف الأسرى من المسيحيين والمسلمين.
لكن حسب إينّوسانس الثالث الفداء هو عمل رحيم: « من بين أعمال الرحمة التي أمر بها، ربنا يسوع المسيح، أتباعه في الإنجيل، لا تقلّ مرتبة هي فدية الأسرى». والبابا يأخذ بزمام المبادرة منطلقا من مجال منزوع السلاح: الرحمة. ولهذا الغرض لا شيء أنسب من النهل من إنجيل المسيح، من صُلب نص الوحي: فعل الفداء يتصدّر الواجبات الإنجيلية. البابا تبنّى هذا المشروع الثوري الذي فسح المجال للإنجيل لكن مع مخاطر الارتطام بسياسة المصلحة التي ينتهجها الأمراء المسيحيون.

المصدر: موقع ألف اليوم

اسم السلسلة: الدين والحياة

موقع مصراوي غير مسئول بأي شكل من الأشكال عن المحتوى المنشور بالاعلى او مصدره او صحته وتقع كافة المسئوليات الأدبية والقانونية على عاتق المشترك بمقتضى اشتراكه.

تقييم:

مستخدم قيم هذه المقالة


مقالات اخرى لنفس الكاتب

تصنيف بــ :

التعليقات

اضف تعليق

رتب التعليقات

التعليقات

(0) تعليق
الصفحة

أحدث الصور

أحدث الفيديوهات

الآن يمكنك إنشاء حساب جديد للدخول على كتابات بإستخدام حسابك على الفيس بوك.

مساحة إعلانية

أكثر الكلمات بحثا

أكثر المقالات

افضل الكتاب