atta_dorgham
54

تقييم الكاتب:54

atta_dorgham

تقييم الكاتب :54

بتاريخ : 31/08/2012 11:23:00 م- المشاهدات : 725

الإحترام والتسامح بين المسيحية والإسلام-2

الإحترام والتسامح بين المسيحية والإسلام-2

اسم السلسلة: الدين والحياة

مساحة إعلانية خاصة بالكاتب

الإحترام والتسامح بين المسيحية والإسلام/جوليو تشيبلوني
ت / محمد المزوغي

التاريخ الحديث رأى في ج. لوك وفولتير وآخرين، المفكرين الذين قدّموا أطروحات مجدّدة بشأن موضوع التسامح. وهذا الموضوع في تطور مستمرّ، على الأقل من الجانب المثالي، والإنسانية على كل حال هي فقط في مرحلة البداية لحقبة من التسامح الجوهري. كارل بوبر (1902 ـ 1994) في مقاله "التسامح والمسؤولية الفكرية"، يبيّن ضرورة التسامح كشرط مسبق لمعرفة عميقة بمن هو مختلف عنا، وبالتالي فهو إثراء من حيث أن التقدم العلمي يفترض إمكانية النقد والحوار المستمرّين.
إن إيضاح مفهومي "الإيمان" و "الدين"، يساعد، من دون شك، على التمييز بين الأشياء وإرساء قواعد راسخة للتعايش السلمي. فالايمان يُمَوقع الإنسان في "اللاحدود" للإنسانية جمعاء، أما الدين فله في داخله، كمكوّن جوهري، الخصوصية الثقافية بما تحمله من تقييدات وحدود من الصعب اختزالها أو تذويبها. ومن المستحسن، على كل حال، أن تبقى التعددية الثقافية في العالم، وألاّ تذوب أو تُنَمذج طبقا لسيرورة عولمية سطحية وعقيمة.
إن كلمة إيمان، التي تُستخدم للتعبير عن "الأمان" و "الثقة"، تدلّ على التقبّل ـ الاستسلام للمشروع المقترح علينا "من خارجنا"؛ في الوقت الذي تعني فيه كلمة دين التعمّق (relegere) في الأشياء التي تخص الألوهية أو حقل الماورائيات، واتحادا أقوى بها (relegare). وبالجملة، الإيمان يشير إلى الدائرة الخاصة للوعي أمام تدخل المقدّس في الحياة الشخصيّة؛ أما الدين فهو التجسّد في ثقافة مخصوصة، حيث أن في داخلها يُعبّر الشخص عن ذلك المركب من الرموز الخارجية والطقوس، بالتكامل مع تنظيمات اجتماعية تحدّد وتميّز الجموعات الدينية عن بعضها البعض. بالتأكيد يمكن أن يكون المرء متدينا ولكن دون إيمان، أو أن يكون مؤمنا دون تعلّق مرضي بالخصوصية الثقافية لهذا الدين أو لآخر. وهذا التصرّف يأتي إثر العديد من السيرورات التطورية: العلم، الاطلاع على الثقافات الأخرى في جانبها الديني، التشبّث بالجوهري في حياة الإنسان أي أن يكون عادلا وراء الأديان، الانفتاح الصوفي الذي، طبقا للتجربة المؤثرة والشاملة للألوهية، يقلّل من شأن عامل الاختلاف بين الأديان.
كل هذه العوامل تساهم في تنسيب الادعاء بأفضلية دين على آخر، وتُجنّبنا المماحكات بخصوص أفضل الثقافات لأن كل من وُلد في ثقافة ما وتربى فيها فإنه يعتبرها الأفضل على الاطلاق: كما أن شخصا ما يولد بروما في القرون الوسطى هو بالطبيعة لا يمكن أن يكون إلاّ مسيحيا كاثوليكيا، لكنه إن وُلد بمكّة فسيكون بالطبيعة مُسلما. ولذلك فإن الثقافة التي يولد عليها الشخص تبقى إلى يومنا هذا العامل المحدّد في تربيته الذاتية واختيار نمط حياته.
  بالنسبة للمسيحيين والمسلمين فإنه من الانجيل والقرآن تنبع المبادئ المُثلى المتعلقة بالانفتاح "الكلي" عن بعضهما البعض. فعلا، اليقين التام بأن الله ليس فيه أي تعصب وأن التعصب هو دائما ظاهرة إنسانية، هو الجذر الحقيقي والشامل للتعايش بين الناس. إذن إلاه واحد، أسرة إنسانية واحدة؛ خُلقت وتحيا باستمرار بمحبة الخالق الذي يعتني بالبشرية جمعاء. وعلى هذا الأساس فإن كلمة الله تصبح كلمات الله نظرا لتعدد الثقافات التي يتجلى فيها ذلك الإله الأوحد، وشعب الله يصبح شعوب الله، وبالمثل فإن أرض الله تصبح أراضين الله لأن كل أرض هي ملك له وحده، ولذلك تسقط القيمة الاستراتيجية للحدود الفاصلة.
هذا يقودنا إلى الموضوع الشيق للغريب المحبوب والمَحمي من الله والذي نجده في جميع الكتب الالهية. ففي الإنجيل، كما في الكتب الأخرى، نعثر على تمجيد للخصال الحميدة عند أولئك الذين لا ينتمون إلى "النحن"، إلى مجموعتنا الدينية الخاصة.
اليوم تُطرَح علينا بجدّية ضرورة التمييز بين الايمان والدين، والذي يفتح المجال لتفكّر اللاتوازي بينهما، والاختلاف بين مؤمن ومتديّن. وربّما يقود التناسب والتماهي بين المفهومين إلى إلتباسات عديدة: لا يخفى على أحد أنه يمكن للمرء أن يكون متدينا ولكن دون إيمان، أي ظالم، متعصب، مجرم. والدين بما هو أمر يخص ثقافة بعينها، يمكن أن يتأثر سلبيا، كما هو معلوم، من الضيق الذهني لمنطق الاقصاء والابعاد.
فالتسامح بمعنى الاحساس بوجودنا في حضرة الإله الأوحد وبأننا نخضع لمصير موحّد، يُحتم التشبث بالعدالة والسلام بين المؤمنين وذلك باستحضار التوتر الخلاصي الذي يوصل إلى ضفة الحياة الأخرى عند أولئك الذين يجعلون مرجعهم إبراهيم للتحاور فيما بينهم: الاستسلام إلى إرادة شاملة لأب واحد، بحيث أن الأبناء ـ الاخوة، يعيشون ويتعايشون في سلام. إن هذه المبادرة ليست إلاّ استثارة للمؤمنين، المسيحيين والمسلمين، ذوي القلوب الطاهرة والنوايا الطيّبة

المصدر: موقع ألف اليوم الأدبي

اسم السلسلة: الدين والحياة

موقع مصراوي غير مسئول بأي شكل من الأشكال عن المحتوى المنشور بالاعلى او مصدره او صحته وتقع كافة المسئوليات الأدبية والقانونية على عاتق المشترك بمقتضى اشتراكه.

تقييم:

مستخدم قيم هذه المقالة


مقالات اخرى لنفس الكاتب

تصنيف بــ :

التعليقات

اضف تعليق

رتب التعليقات

التعليقات

(0) تعليق
الصفحة

أحدث الصور

أحدث الفيديوهات

الآن يمكنك إنشاء حساب جديد للدخول على كتابات بإستخدام حسابك على الفيس بوك.

مساحة إعلانية

أكثر الكلمات بحثا

أكثر المقالات

افضل الكتاب