الأربعاء 27 شعبان 1438     الموافق 24 مايو 2017

اليوم علي مصراوي

قبل أكثر من مائة عام.. قصة أزهري كاد أن يسلم على يديه إمبراطور اليابان

Print

بقلم – هاني ضوَّه :

تاريخ الأزهر الشريف عريق وملئ بنماذج من العلماء كان لها الفضل في نشر صحيح الإسلام في ربوع الأرض كلها، وكانوا خير دعاة لدين الرحمة لا يبخلون بجهد أو مال من أجل إيصال رسالة الإسلام حتى تصل إلى أقاصي البلاد.

وحديثي في هذا المقال عن أحد علماء الأزهر الشريف هو الشيخ علي أحمد الجرجاوي الذي كان أول داعية للإسلام في العصر الحديث إلى اليابان، وأسلم على يديه ما يزيد عن 12 ألف ياباني، حتى قال عنه عبدالودود شلبي: "هذا الرجل لو ظل في اليابان لاعتنق معظم أهلها الاسلام".

ترجع الحكاية إلى عام 1906 بعدما انتصرت اليابان على روسيا عام 1905 قررت عقد مؤتمرًا كبيرًا للمقارنة بين الأديان المختلفة من أجل اختيار أفضلها وأصلحها، حتى يصبح الدين الرسمي للإمبراطورية اليابانية، وأرسلت إلى حواضر الدولة العثمانية والدول الكبرى مثل فرنسا، وانجلترا، وإيطاليا وأمريكا؛ ليرسلوا إليهم العلماء والفلاسفة والمشرعين؛ ليجتمعوا في مؤتمر يتحدث فيه أهل كل دين عن قواعد دينهم وفلسفته، فأرسلت الدول العثمانية وفدًا إسلاميًا، في حين أرسلت بقية الدول وفودًا مسيحية من كل المذاهب المسيحية، وقد بدأت أولى جلسات المؤتمر في السادس من المحرم 1324هـ الموافق الأول من مارس 1906م.

ويروي الشيخ علي أحمد الجرجاوي قصة مشاركته في هذا الحدث الكبير في كتابه "الرحلة اليابانية" بعد أن سمع فكتب في صحيفة "الإرشاد" يدعو شيخ الأزهر وعلماء الإسلام لتشكيل وفد للمشاركة في هذا المؤتمر الذي يمكنهم من خلاله إقناع الشعب الياباني وامبراطوره بالإسلام؛ وهذا من شأنه- إذا حدث- أن يؤدي الى قيام حلف إسلامي قوي يجمع اليابان وربما الصين أيضا مع السلطنة العثمانية؛ فيعود للإسلام مجده القديم، وأعلن عزمه على السفر بنفسه لأداء هذا المهمة، وبحسب قوله في كتابه، فإن: "مسلمو مصر أولى بأن يحوزوا هذه الفضيلة لوجود الأزهر بين ظهرانيهم".

وكان الشيخ الجرجاوي يملك خمسة أفدنة في بلده "القرعان" في مركز جرجا، فسافر وباعها لينفق على رحلته الدعوية، واستقل الباخرة من ميناء الإسكندرية قاصدًا اليابان، وغاب أكثر من شهرين، وقد عاد بعد هذه الزيارة بأخبار وحقائق قام بنشرها في كتاب بعنوان "الرحلة اليابانية"، وصدرت طبعته الأولى سنة 1907م على نفقته الخاصة، فكان أول كتاب في العالم العربي يكتبه صاحبه عن اليابان التي تصاعد اهتمام العالم الإسلامي بها عقب انتصارها في حربها مع روسيا، ولكن من خلال زيارة واقعية لها.

ووصل الشيخ الجرجاوي إلى ميناء يوكوهاما، وهناك استقبله شيخان أحدهما روسي والآخر صيني؛ صاحباه خلال رحلته في اليابان، والتي امتدت 32 يومًا.

وبعد يومين من الراحة في يوكوهاما، انتقل الشيخ الجرجاوي إلى العاصمة اليابانية طوكيو، وفيها أقام للمشاركة في المؤتمر الذي حضر له. كما أنّه استغل الإقامة هُناك للدعوة إلى الدين الإسلامي. وقد أسس هو والشيخين الروسي والصيني، جمعيةً إسلامية استأجر مقرّها من تاجر ياباني.

وبدأ اليابانيون يتوافدون للتعرف على الإسلام، فأسلم أول ياباني على يده وكان يُسمّى "جازييف"، والذي ساهم في ترجمة خطب إسلامية كان الشيخ الجرجاوي يكتبها وينشرها على اليابانيين، ما يدفعهم لزيارة الجمعية، التي أعدّ فيها نحو 18 لقاءً جامعًا على مدار الأيام التي قضاها هُناك، وأسلم خلال تلك اللقاءات نحو 12 ألف ياباني، وفقًا لما ذكره الجرجاوي نفسه في كتابه.

وذكر كذلك أن الإمبراطور الياباني حينها "متسوهيتو" قد أظهر إعجابًا كبيرًا بالإسلام وكاد أن يُسلم، لكنه خاف من انشقاق شعبه لعدم اتفاقهم على الإسلام.

وقد بدأت أولى جلسات المؤتمر في الأول من مارس 1906م، وينقل الشيخ الجرجاوي إعجاب اليابانيين بالإسلام، ولكن للأسف انتهى المؤتمر دون الاستقرار على دين بعينه؛ إذ إن كل مجموعة من اليابانيين استحسنت دينًا دون الاتفاق على واحد منها، وأن غالبية من حضروا المؤتمر من اليابانيين وجدوا في أنفسهم ميلاً للإسلام الذي أحسن علماؤه بيان ما فيه من قواعد ومبادئ يتفق معها العقل والمنطق.

وبعد تلك الرحلة عاد الشيخ علي الجرجاوي إلى مصر ليستأنف الدعوة والعمل بالصحافة، عام 1907، وأصدر جريدة "الأزهر المعمور"، وواصل إسهاماته بالرد على ادعاءات المستشرقين، وألف كتابه "الرحلة اليابانية" وكتابًا أخر للرد على المستشرقين بعنوان: "الإسلام ومستر سكوت"، وكتاب بعنوان: "حكمة التشريع وفلسفته فيه"، وتوفي عام 1961م ليدفن في قريته.

وقد شكك بعض الباحثين في رواية الشيخ الجرجاوي للأحادث، إلا أن باحثون أخرون أشاروا إلى أنه زار اليابان بالفعل ومنهم الباحث الياباني "عبد الرحمن سوزوكي" الذي أكد أنه زار عام 1982 فندق "جراند هوتيل" الذي قال الشيخ الجرجاوي: إنه نزل به في رحلته إلى يوكوهاها أمام إدارة الميناء، فوجد اسم "الجرجاوي" فعلا في سجلات الفندق القديمة، ورأى ختمه.

كما يذكر السيد "عبد الرشيد إبراهيم" في كتابه "عالم إسلام" أنه قابل الكونت (okuma) وزير خارجية اليابان الأسبق ومؤسس جامعة "واسيدا"، فذكر أنه جاءه مصري يريد أن يجعل الإمبراطور مسلمًا، ولا يدري هل وُفِّق في مقابلة الإمبراطور أم لا؟.

اشترك في خدمة مصراوي للرسائل الدينية القصيرة

اضف تعليق

موقع مصراوي غير مسئول عن محتوى التعليقات ونرجو الالتزام باللياقة في التعبير

الي الاعلي