إعلان

رف السينما - نسمة خفيفة عابرة.. "قبل زحمة الصيف"

قبل زحمة الصيف

رف السينما - نسمة خفيفة عابرة.. "قبل زحمة الصيف"

07:53 م السبت 23 أبريل 2016

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

بقلم – ممدوح صلاح 

المخرج الكبير (محمد خان) بيرجع لشاشات العرض السينمائي بفيلمه الجديد (قبل زحمة الصيف) بعد غياب أقل من السابق كثيراً، وبيكون سبيله للرجوع هو إختيار فيلم خفيف في موضوعه ومتطلباته الإنتاجية في ظل سوق سينمائي عدائي تجاه التجارب السينمائية الجادة عموماً. وبالرغم من إن الفيلم بتدور كل أحداثه في قرية سياحية خالية من السكان وبعدد محدود من الأبطال، إلا إن التترات أشارت لوجود حوالي سبع كيانات إنتاجية مشاركة في المشروع، وهو دليل واضح على صعوبة تمويل المشروعات السينمائية حتى البسيط منها.

من البداية يلفت إنتباهك شريط الموسيقى الجذاب لـ (ليال وطفة) والصورة السينمائية المرحبة لـ (فيكتور كريدي)، صورة الفيلم وأجوائه يمكن وصفها بأنها (ترد الروح)، وتعبر بدقة وحب عن تفاصيل البحر والسماء والهدوء في القرية السياحية الخالية من الفوضى والضوضاء قبل زحمة الصيف، وتجعلك على الفور الساكن الجديد في هذا المكان.

نقابل أبطالنا الثلاثة الأساسيين وهم دكتور (يحيى) والحسناء الثرية (هالة) و عامل القرية الصعيدي (جمعة).. جميعهم هنا في ظروف إستثنائية مؤقتة نستكشف أبعادها خلال رحلة السيناريو. دكتور (يحيي) يقضي أجازة إجبارية مع زوجته دكتورة (ماجدة) هرباً من تحقيق يجري في مستشفى يشارك في ملكيته، يقضيان أيامهم في متابعة تفاصيل التحقيقات في الجرائد اليومية بقلق متزايد. (جمعة) يعمل في القرية بدل أخوه اللى أخد أجازة قصيرة للزواج، و(هالة) أيضاً هاربة من ضغوط أولادها المراهقين وحياتها العملية، وتعد نفسها لأيام خاطفة تسرقها مع عشيقها الممثل المغمور (هشام) .. وهما دول كل شخصيات الفيلم الأساسية والثانوية اللى بنتابعها طول الوقت.

سيناريو الفيلم اللى كتبته (غادة شهبندر) بيحتوى في تفاصيله على تيمات كثيرة مفضلة لخان ومتكررة في أعماله، كالفقد والإحتياج للعاطفة، رؤية الأبطال لأنفسهم في مقابل رؤية العالم ليهم، ولا يخفي – كالعادة – عشقه بالطعام، وما يمكن أن يتولد عن تلك الرغبة الإنسانية البسيطة من معاني.

دكتور (يحيي) طباعه متلصصة، يراقب أفراد القرية من نظارته المكبرة بدون خجل على مرأى من زوجته، وتتركه هي يمارس (هوايته) في الفرجة إدراكاً منها لطباع زوجها، ولإن هذه المغامرات لن تنتهي لأي حدث حقيقي.

وغياب الحدث هو المحرك الرئيسي للسيناريو، وهو محرك فريد من نوعه لا يدفع أي شيء للأمام بطبيعة الحال! يظهر على (يحيي) إعجابه الشديد بالفاتنة (هالة) لكنه غير راغب في تطور هذا الإعجاب لأكثر من مغازلات لفظية متبادلة في الإطار الإجتماعي المسموح. (جمعة) أيضاً يشتهي (هالة)، ولكنها شهوة جنسية في الأساس، وبسبب التباين الطبقي الكبير بينهما لا يمكنه تطوير هذا الإشتهاء إلا لنوع من الخيالات الفانتازية وملاحقته لها في أرجاء القرية، وفي أول حوار مطول بينهم بيكون طلبه منها إنها تشوف له شغل كسواق عندها أو عند حد من أصدقائها.

تعاني (هالة) من إنكسار داخلي في شخصيتها، وتشعر أن كل يوم يمر يسحب من رصيد جمالها، حياتها الحقيقية التي تهرب منها غير مرضية، وهي غير قادرة على مواجهتها، فتتجنبها بالرحلة السريعة قبل العودة للروتين.. الأولاد بتكبر وإبنها يكاد يصل لسن إستخراج رخصة قيادة، طليقها يتنصل من مسئولياته في مشاركتها تربية الأبناء، تتشاجر مع عشيقها وينهيان العلاقة، وبعدها مباشرة بترجع تتصل بيه تاني. ثقتها المحدودة في نفسها تسمح لها بالإستمرار في علاقة جافة مع ممثل مغمور لزج بينما يراها (يحيي) – في تعليق يقوله لزوجته – جديرة بمصادقة نجم سينما من نجوم الصف الأول. ولما بتنتهي مغازلاتها المتبادلة مع دكتور (يحيي) بمواجهة زوجته العصبية، مابيبقاش قدامها غير إنها تاخد العجلة اللى بيسوقها (جمعة) وتلف بيها القرية في لحظة عفوية سعيدة، لتثبت لنفسها إنها مازالت قادرة على إدارة رؤوس الرجال، حتى لو كان هدفها هذه المرة هو عامل القرية.

(يحيي) وزوجته يعيشان في حالة مماثلة من عدم المواجهة لزواجهما الفاتر، شخصية (يحيي) بطبعها تتجنب المشاكل، حتى شراكته في المستشفى هي شراكة من الباطن تجنبه أي مسائلة قانونية متوقعة. يكتفيان بالصمت المتبادل وتربية بغبغان صغير في قفص في البلكونة تتربص بيه طول الوقت القطط الضالة في القرية السياحية. إلى أن يقوم (جمعة) المشاغب في غفلة منهما بفتح القفص للبغبغان ويتركه فريسة للقطط .. وبالطبع يرى (جمعة) في القطط الجائعة إنعكاساً لشخصه، ولعجزه هو الآخر عن الحصول على ما يشتهي، لذلك يتيح لها الفرصة.

ماعجبنيش استخدام الرمز في مشهد البغبغان لمباشرته الشديدة، لكن موقعه في أحداث الفيلم مثالي، ويحل في موقع الذروة المفتقدة في باقى القصص .. بشكل ما إفتراس القطط للطائر هو الحدث الوحيد المكتمل في الفيلم، ويفجر ثورة عاصفة نتيجة له. فيكون بمثابة إنذار للزوجة بأن الأشياء المؤسفة يمكن أن تحدث. ويذكرها بتفاصيل تلك الليلة التي بدأت بـ (يحيي) و(هالة) يتحدثان بحميمية ويتبادلان كؤوس الخمر على مائدة الطعام، وانتهت بأن أغفل زوجها للمرة الأولى إطعام القطط وإغلاق باب الشالية وتسبب بهذا الحادث.. تنفجر فيه الزوجة إنفجار غير مفهوم بالنسبة له ولا يتناسب مع الحدث، تهدده بالرحيل وبإنهاء زواجهما، وتأخذ رد فعل مواجه للمرة الأولى يضمن بقاء حياتهم في مسارها التقليدي والمعتاد.

الأعمدة الثلاثة للفيلم صلبة، (هنا شيحة) و(ماجد الكدواني) و(أحمد داود) يقدمون أداء ناضج يساعدهم في بناءه الشخصيات الغنية الشبيهة بما نقابله في الحياة, ويعوض عن نقص الأحداث توغلنا في هذه الشخصيات. حتى (هاني المتناوي) يؤدي دوره بالشكل المطلوب، وتبقى (لانا مشتاق) في دور الزوجة هي الحلقة الأضعف في الأداء التمثيلي، وتلقى جمل الحوار ببرود يفوق برود الشخصية.. قرأت في حوار لخان أنه إختارها للدور بناء على صداقة شخصية بينهم، وهو في رأيي إختيار أضر كثيراً بطاقم تمثيلي محدود لكنه مثالي، وكان ممكن يبقى أقوى أداء جماعي في فيلم مصري من فترة طويلة.

يستمر خان كأي مخرج كبير في تطوير أدواته ورؤيته، ويستخدم هنا (للمرة الأولى على ما أعتقد) حيلة في التصوير السينمائي نادراً ما نراها في فيلم عربي تسمى (Split-diopter)، وهو إستخدام عدسة خاصة تمكنه من ضبط الوضوح على وجه شخص ما في مقدمة الكادر وشخص آخر في خلفية الكادر، مع مساحة ضيقة من عدم الوضوح بينهما .. حيلة غير معتادة بالنسبة للعين، ويوظفها الفيلم في مواقع محددة لتظهر إنفصال الأبطال واستغراقهم في عوالم خاصة متباعدة.

يغلف الفيلم حساسية خان المعتادة تجاه أشخاصه ومواضيعه، ويمكننا – بسهولة – أن تبين إن شخصية (يحيي) فيها جزء كبير منه، وأنه كمخرج يقدّر جمال (هالة) ولا تخفي كادراته إعجابه بها وبأنوثتها. غير إنه يملك تعاطفاً خاصاً مع (جمعة)، الشخص الدخيل على الطبقة الثرية التي يعرضها الفيلم، ويتسامح إلى حد ما مع رغباته.. نرى الفيلم من زاويته منذ ظهوره في لقطات البداية وحتى آخر لقطة في الفيلم، وفي أحد المشاهد نراه يحمل إصيصاً من الورد على دراجته في إشارة بصرية بدت مقاربة لفيلم (Close-up) لعباس كيارستامي، وبطله الذي كان – هو الآخر – شخص بسيط مثير للتعاطف يرغب في شيء لا حق له فيه.

تنتهي علاقات الأبطال ما إن تبدأ زحمة الصيف في الظهور. تخفت الحواديت الجانبية والنزوات العاطفية والمشكلات ويمر كل شيء بسلام بدون تغير ملحوظ. يضعنا الفيلم في موضع ضيف آخر في القرية يراقب النزلاء مثلما يراقبون بعضهم البعض حتى يأتي موعد رحيله.. ربما يتبادل بعض الجمل أو سلام عابر مع أي من هؤلاء الأشخاص.. ولكن يبدو للعين التي تنظر من الخارج أنه ليس هناك أي أثر باقي لهذا اللقاء، بل وكأنهم لم يتعارفوا من الأصل. وأن مجرى حياتهم يستمر في السريان كما كان دائماً وكما سيكون.

 

إعلان