اليوم علي مصراوي

العودة للأصول

العودة للأصول

بقلم- خالد داود:

عندما انطلقت حركة تمرد في مطلع شهر مايو الماضي، وبدأت الحركة سريعة نحو الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي، كان الهدف واضح وبسيط: الدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة بعد أن أثبت الرجل، الذي وصفه كثيرين بمندوب مكتب إرشاد جماعة الإخوان في قصر الرئاسة، فشلا ذريعا في إدارة شئون البلاد هو وجماعته مما مثل تهديدا لمستقبل مصر نفسها وتماسك مجتمعها، بل ووصل بنا إلى حافة الحرب الأهلية. كما صدقت فعلا خريطة الطريق، والطريقة التي تم بها إخراج يوم 3 يوليو، والتعهد بالعودة قريبا لانتخابات حرة ونزيهة تكسب النظام الجديد الشرعية الشعبية.

لم يكن الهدف المعلن مطلقا بين صفوف الأحزاب والحركات التي تصدرت حركة الدفاع عن أهداف ثورة 25 يناير، والذين رأوا أن الإخوان قد انحرفوا عنها تماما، سحق الجماعة أو اعتقال كل قادتهم وإلقاءهم في السجون ومنعهم من ممارسة النشاط السياسي، وبالطبع ليس قتلهم وحصد أرواحهم بالمئات. من يدفعون في هذا الإتجاه الآن، كانوا أنصار تيار آخر ليس له صلة بأهداف ثورة 25 يناير مطلقا، بل رأوا فيها منذ البداية مؤامرة إخوانية أطاحت بهم وبنفوذهم وفسادهم، وبدعم من حماس وإيران وأمريكا والقائمة الكاملة المعروفة. كما يدعم التوجه الإقصائي الحالي أنصار تيارات فكرية دائما ما رأت في الفكر الإخواني، وعلى مدى المائة العام الماضية تقريبا، مشروعا ظلاميا يناقض مبادئ النهضة والتقدم بمصر نحو مصاف الدول الديمقراطية الواقعة شمال المتوسط. وهؤلاء، من وجهة نظري، لا يمثلون الغالبية في الأحزاب المدنية المصرية بمختلف توجهاتها الليبرالية واليسارية والقومية، لأن مصر ببساطة ليست فرنسا.

وتبقى الحقيقة أن أنصار هذان التياران، الدولة القديمة القائمة منذ 1952 بكل أدواتها من قمع وقتل وإعلام موجه كاذب، ومن يمكن تسميتهم بالإقصائيين في أوساط بعض المثقفين، فشلا تماما في تحقيق هدف إقصاء وسحق الإخوان على مدى الثمانين عاما الماضية التي هي عمر الجماعة. بل إن دولة مبارك البوليسية بكل بطشها فشلت في إلحاق هزيمة ساحقة بالجماعة الإسلامية التي تصدرت العمليات الإرهابية في عقد التسعينات من القرن الماضي، رغم أن قوتها التنظيمية وقواعدها الشعبية تكاد لا تقارن بما يمتلكه الإخوان الأثرياء أصحاب التنظيم الدولي المنتشر في أكثر من ثمانين دولة. واضطر وزير الداخلية السابق حبيب العادلي القابع في السجن الآن لتقديم تنازلات وفرت الأرضية التي سمحت باستعادة نسبية للأمن وانتهاء عمليات العنف اليومي التي كان يقوم بها أعضاء الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد.

بكل تأكيد، الإخوان أظهروا عنادا وغرورا وصلفا حتى اللحظات الأخيرة، واصروا على احتكار الحديث باسم الله والإسلام، ورفضوا تماما الاعتراف بأن هناك معارضة واسعة لسياساتهم، ونجحوا في استعداء قطاعات واسعة من المجتمع ومؤسسات الدولة، وهو ما استحال معه استمرارهم في إدارة شئون البلاد، حتى لو كان مرسي قد فاز في انتخابات رئاسية نزيهة، لأنه فقد أهليته وليس فقط شرعيته. وزادوا على ذلك بمسرحية اعتصامي رابعة والنهضة التي طالت 47 يوما بالتمام والكمال، أحالوا فيها حياة سكان القاهرة إلى جحيم باحتلالهم لشوارع رئيسية ومظاهراتهم العنيفة غير السلمية.

كما كان خطابهم الإعلامي موجه بالأساس إلى الغرب استجداء لدعمه، وذلك لاعتقادهم القوي بأن الدعم الغربي والأمريكي هو السبيل الوحيد لعودتهم المحتملة للحكم، رغم أن هذا مستحيل. ولتحقيق هذا الهدف، لم تمانع أمهات مصريات تجردن من أبسط معاني الأمومة من استعراض أطفالهن الرضع أمام الكاميرات وهم يستنشقون الغاز المسيل للدموع وإصرارهن على البقاء فقط لتصوير هذا المشهد، أو إجبار أطفالهم في الرابعة والخامسة على ارتداء أكفان والقول أنهم مشاريع شهادة بينما هم يهتفون "مرسي هو رئيسي. السيسي قاتل."

أما خطابهم لنا نحن المصريون من على منصة رابعة، فكان جله تهديد ووعيد، وتكفير وتحذير من الغوص في نار جهنم، ودعوات طائفية تهدد صراحة بإحراق الصعيد وكنائسه ومسيحييه في حال فض الاعتصامين، وتخطي لخطوط حمراء بشكل لم نعهده مطلقا في حياتنا السياسية وذلك بالدعوة المباشرة لانشقاق الجيش، وعدم ممانعة تكرار السيناريو السوري في مصر بكل بشاعته. هذه التصرفات أكدت لقطاع واسع من المصريين أن الإخوان بذلك يضعون مصلحة جماعتهم وعشيرتهم أولا، قبل مصر، وفقدوا الكثير من التعاطف الذي كانوا يحظون به بين بسطاء المصريين الذين يحبون جيشهم، ولو بحكم الحشد والخطاب الإعلامي على مدى العقود الستة الماضية، ومنذ ثورة 1952 التي قام بها العسكر.

وزاد الطين بلة خلطهم الحابل بالنابل، واعتبار أن كل أعداءهم هم من أنصار نظام مبارك و"الفلول"، رافضين تماما تصديق أن رفقاء ثورة يناير 2011 كانوا يشكلوا عماد الحركة التي انتهت بالإطاحة بمرسي بعد عام واحد فقط من وصوله لمنصب الرئاسة، هذا التطور التاريخي الذي لم يكن ليحلم أو يتنبأ به أبدا حتى عامين ونصف مضيا أكثر قادة الإخوان تفاؤلا. ولكنهم أضاعوا هذه الفرصة بغباء وغرور شديدين، والاعتقاد أنهم يملكون الحقيقة المطلقة، متجاهلين أنهم فقراء تماما في الخبرات والكفاءات القادرة على إدارة شؤون البلد، وبالتالي فإن أبسط قواعد العقل والمنطق والضرورة كانت تقتضي العمل على بناء التحالفات، والالتزام بما تعهد به مرسي شخصيا في اتفاق فيرمونت الشهير مع شخصيات وطنية بارزة قبل أيام من إعلان فوزه بمنصب الرئاسة.

ولكن كل ذلك لا يعني التسامح والتساهل مع حصد أرواح المصريين وقتلهم على يد قوات الأمن دون حساب. ليست هذه الدولة التي خرج ملايين المصريين في 25 يناير 2011 من أجل بناءها. كما أن الفرضية الأساسية القائمة على أن جماعة الإخوان تحولت تنظيما إرهابيا سيتم القضاء عليه وإسكاته باستخدام العنف المفرط فقط، هي فرضية فاشلة تماما، وستزيد الموقف تدهورا وتمنح قادة الإخوان ما يريدونه تحديدا.

الكل يعرف جيدا أن قادة الجماعة يتوقون للقتل والدماء على يد قوات الأمن في استراتيجية واضحة تقوم على أساس أن هذا هو ما سيدفع مجلس الأمن في الأمم المتحدة للاجتماع، وربما اصدار بيان رسمي يطالب الحكومة المصرية بالكلمة السحرية "احترام الشرعية" أي عودة مرسي للحكم. ولو زاد الدم وزاد القتل، فسنسمع قريبا مطالبة قادة الإخوان للمجتمع الدولي بالتدخل المباشر في مصر بناء على قرار يصدر وفقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. من المستحيل ان نسمح بجرنا إلى ذلك المنحدر.

المطلوب الآن وبشكل عاجل العودة للأصول، وأن يكون وقف نزيف دماء كل المصريين هو الأولوية، لأن الوطن ومستقبله على المحك. الأصول هي ما خرج الشعب من أجله في ثورة 25 يناير، والتي يحاول أنصار الدولة البوليسية القديمة محوها بوضوح: عيش، حرية، عدالة اجتماعية وكرامة إنسانية.

اضف تعليق

موقع مصراوي غير مسئول عن محتوى التعليقات ونرجو الالتزام باللياقة في التعبير