الخميس-3-شوال-1435 الموافق 31-يوليو-2014

WeatherStatus

41 مصر , القاهرة

أخبار تم حفظها
أخبار النهاردة

أمراض الربيع: نصّابون وجهلة


أمراض الربيع: نصّابون وجهلة

محمد الصفتي

4/10/2013 2:44:00 PM

بقلم محمد الصفتي:

 يحفل التاريخ الإنساني الحديث بالخسّة البالغة كلّما كانت هناك رغبة توسّعيّة أو أطماع ما لإحدى القوى الواثقة في قدراتها الفعليّة على انتزاع ما ليس لها بحقّ، وما يميّز هذا الطراز من الخسّة هو حرص أصحابه البالغ على توفير الذرائع والحجج المقنعة لتصوير ما يفعلونه على أنّه عدوان عادل من قبيل حماية فئة قليلة أو انتصار لحقّ أو ردّ لكرامة أو انتقام مشروع ممّن بدأهم بالعدوان. أي أنّك ببساطة تعتدي وتسرف في التدمير والقتل لأطماع بحتة بعد أن تكون قد روّجت مسبقاً لأفعالك الخسيسة اللاإنسانيّة على أنّها عين الصواب والحقّ.

 ولا يتحقّق لهؤلاء (النصّابين) مأربهم على مرّ التاريخ سوى بوجود (الجهلة) من الذين يصدّقون بآذانهم قبل عيونهم وعقولهم ويرجّحون كفّة الباغي على الضحيّة لمجرّد أنّ الباغي هو من برع في تدبيج الحجج وإن بدت بالغة الزيف لأيّ ذي عقل وقلب. من هؤلاء يأتي الغوغاء الذين يجتاحون الشوارع لمساعدة الباغين على تبرير بغيهم ومنهم أيضاً يأتي العملاء الذين يتفوّق حقدهم المستعر بالتحريض المستمر على صالح بلادهم فيفضّلون جانب الباغي أوالمحتلّ على ترك الأمور تستتبّ لمن يبغضونه من أبناء أوطانهم.

 فنحن العرب على سبيل المثال يحفل تاريخنا بالحجج والذرائع المتهافتة لتبرير احتلال الدول الاستعمارية الأوروبية لبلادنا من قبيل حادث المروحة عام 1828 الذي أدّى لاحتلال فرنسا للجزائر بحجّة ردّ كرامة القنصل الفرنسي الّذي قيل أنّ الداي حسين حاكم الجزائر آنذاك قد لطمه بها على وجهه – حتى تلك الرواية يشكك فيها البعض ويقول أنّ الداي قام فقط بتهديد القنصل بذلك- وبالطبع كانت أطماع فرنسا في الجزائر أكبر بكثير من مجرّد ردّ كرامة قنصل حتى وإن كان (قنصل الوزّ) ذاته وكما نعلم استمرّ الاحتلال الفرنسي للجزائر أكثر من 13 عقداً من الزمان منحت الجزائر لقباً مجيداً مؤسفاً في الوقت ذاته (بلد المليون شهيد)!!

 وكذلك جاءت حادثة الحمّار والمالطي عام 1882 والتي قام فيها مواطن مالطي بطعن حمّار مصري حتى الموت على إثر مشاجرة مفتعلة لرفض المالطي دفع أجرة مناسبة للحمّار فما كان من المصريين كالعادة إلّا السقوط في الفخّ الساذج وقبول الاستدراج ثمّ الهجوم على أي أجنبي وتحويل الشوارع إلى ساحة حرب بينهم وبين المواطنين الأجانب المقيمين في الأسكندرية قتل فيها بالطبع من المصريين أكثر بكثير من الأجانب المسلّحين وكأنهم كانوا ينتظرون تلك اللحظة، وكما يقول الرافعي انضمّ الرعاع والبلطجية بالعصي والهراوات للمواطنين وانطلقوا في الشوارع يهيّجون الناس بدعوى أنّ الأجانب يقتلون المصريين (بالتأكيد كانوا يصيحون: انزلوا هاتوا حقّ اخواتكم؛ أين رأيت هذا المشهد من قبل؟)!! وبالطبع لم يكذّب الأسطول الانجليزي المستعدّ خبراً وقامت انجلترا باحتلال مصر واستنزافها لمدّة سبعين عاماً تحت زعم (حماية الأقليّات)!!

 ولكي أطمئنكم قليلاً فلم يقتصر الأمرعلى احتلال الدول العربية فقط ولم نكن وحدنا (الزبائن السُقع) الّذين (اشترَوا) هذا النوع من التضليل الرخيص، فقديماً قامت أستاذة العالم الجديد في التخطيط والتضليل وأعني بها بالطبع الولايات المتّحدة عام 1898 بتدبير حادث تفجير البارجة الأمريكيّة ماين في ميناء هافانا بكوبا وبالتالي قتل 260 أمريكياً كانوا على متنها وكان الهدف إلصاق التهمة بسهولة بالأسطول الإسباني الرابض هناك واتّخاذ الحادث كذريعة لفرض قوة الدولة الاستعمارية الجديدة التي فاقت في ذلك الوقت قوة إسبانيا العملاق الاستعماري التقليدي، وبالطبع لم تفلح كلّ محاولات الإسبان للتهدئة ونفي التهمة التي لم يُكشف هويّة مرتكبيها فيما بعد –طبعاً هم لا يتركون خلفهم أثراً- وقامت الولايات القوية الناشئة بتدمير الإسطول الإسباني وطرد إسبانيا من مستعمراتها بل واحتلال الفلبين بدلاً منها لقاء مقابل مالي في إطار التسوية!! ورغم تحجّج الأمريكان بمساعدة كوبا على الاستقلال من الاحتلال الإسباني آنذاك إلّا أنّهم قاموا لعدة سنوات باحتلالها حتى اطمأنّوا على مصالحهم بمساعدة عملاء الداخل وعن طريق إدخال تعديلات على الدستور الكوبي تعطي الولايات المتحدة حق التدخّل في كوبا وإقامة قواعد بحرية فيها ومن نتائج تلك التعديلات قاعدة جوانتانامو الشهيرة (وهي مشاركة ملفتة للعرب في دفع الثمن كالعادة بتعذيب مواطنين عرب في جوانتانامو بعد قرن من الزمان)!!

 وبالمناسبة دفع العرب الذين لا ناقة لهم ولا جمل الثمن ثانيةً أثناء الحرب العالمية الأولى باتفاقية سايكس بيكو التي قسّمت الوطن العربي ككعكة شهية بين انجلترا وفرنسا، تلك الحرب التي كانت ذريعتها المباشرة أيضاً اغتيال طالب صربي (وغد أو مأجور) لولي عهد النمسا الأرشيدوق فرانتز فرديناند في سراييفو عاصمة البوسنة (هم دوماً مشعلو فتن هؤلاء الصرب وهم دوماً أدوات الشياطين هؤلاء الطلبة المراهقين).

 ولا يفوتني بالطبع ذكر ذريعة هتلر لبدء حربه التوسّعيّة عام 1939 عقب ارتداء بعض النازيين لسترات عسكرية بولندية (تكيتيك شيطاني ليس عنّا ببعيد) وقيامهم بهجوم مختلق على إذاعة جلايفيتز الألمانية قرب الحدود البولندية ثمّ تصوير الحادث بعد دعوة الصحفيين للموقع على أنّه هجوم بولندي لتبدأ بعدها آلة الحرب النازية في الدوران وجرّ العالم إلى حرب عالمية ثانية قتلت وشرّدت عشرات الملايين وأحرقت ودمّرت ما يبلغ قيمته آلاف الملايين من قيمة جهاز إرسال جلايفيتز التافه!!

 بالطبع ماذكرته مجرّد لمحات لما تغصّ به كتب التاريخ والسياسة الدوليّة والذي يفوقني في معرفته بمراحل المتخصّصون في كليهما ولكن ما دفعني لتذكّر كلّ ما سبق هو ما نفعله الآن في أوطاننا العربية المصابة بأمراض (الربيع) المتنوعة من رمد ربيعي ( يصيب البصر والبصيرة ويصل لحدّ انعدام الرؤية ويقارب العمى وأهمّ أعراضه قلب الحقائق وعكسها أحياناً كثيرة حسب المصلحة والهوى) ونوبات حساسيّة صدريّة وربو (تصل لحدّ الاختناق بالغاز المسيل للدموع وروائح المؤامرات وعدم القدرة على التنفّس من كثرة الأكاذيب).

 لا نتعلّم من التاريخ شيئاً ولا ننظر لما وراء الحدث ولا نبحث عن المستفيد ولا نردّ الأمور إلى أهل التحقيق والاختصاص بل نختزل دائماً رؤيتنا فيما يراه (القرموطي) شخصية أحمد آدم المصرية جدّاً برؤيته التقليديّة عندما ينسب كلّ حادث سلبي في الكون (لعيلة الجابري)!! أصبح من اليسير جدّاً أن تقوم حرب شوارع بين جهلة وجهلة آخرين في أيّ من أنحاء مصر على إثر (تسخينة) متناهية الصغر ويرى كلا الفريقين بالطبع من موقع (القرموطي) أنّ الفريق الآخر يمثّل (عيلة الجابري) التي لابدّ وأنّها من ارتكب ماارتُكِب وأنّها يجب أن تباد!! لا نلجأ مطلقاً لخاصيّة (العقل) ولا نعود أبداً لأبسط قواعد لامبروزو في علم الجريمة (فتّش عن المستفيد) بل ننطلق بمنتهى السذاجة والتغفيل لتحقيق مآرب المستفيد المجرم ذاته عندما نعتنق الحكم الساذج الدامغ على مرتكب الجريمة من الفريق الآخر بلا أيّ تثبّت ولا دليل سوى أنّ: أكيد همه اللي عملوها، ماهم (خرفان/فلول) حسب اتّجاه الاتّهام في كل مرة!

 لا يبحث أحد عن (النصّابين) في كلّ مرّة تشتعل الأحداث، ولا يدعو أحد سوى (للجهالة) بمفهومها السائد قبل الإسلام: قبيلتنا وقبيلتهم، أنصر أخاك ظالماً قبل أن تنصره مظلوماً فهو (أخوك) والآخر هو ببساطة (آخر) لا قيمة له! لا أدري إلى متى سنظلّ كمصريين فريسة لأنفسنا؟ نقتات على لحمنا ونمارس حصاراً اقتصاديّاً خانقاً على أنفسنا بتبنّي الذرائع الواحدة تلو الأخرى لا سدّها كما ينبغي وبرفض استخدام الخاصّيّة المعطّلة (العقل)؟

 تقوم مصر ولا تقعد لأمور قد يكون محلّها قسم شرطة عادي أو محكمة جنح صغيرة. تقوم ولا تقعد لا لأنّ الملايين قد فقدوا موارد أرزاقهم ولا لأنّ الجريمة المنظّمة صارت كالماء والهواء من لوازم الحياة المصرية ولا لأنّ الجنيه المصري ينحدر بسرعة مريبة وننحدر معه لمستويات دنيئة من المعيشة لم يعتدها المصريون من قبل(!) وإنّما تهيج البلاد طولها وعرضها لصفعة على (قفا) هذا وإشاعة سخيفة مستحيلة التصديق من ذاك وكأنّنا قد حصلنا على حياة كريمة كسائر الشعوب التي ينبغي أن نقارن بها وفقاً لمقدراتنا وما نملكه من مميزات -تنهض بقارة بأكملها لا مجرد دولة واحدة- ولم يبق لنا سوى تلك (التشطيبات) الصغيرة من ضمان وجود ملائكة على الكراسي التنفيذيّة واكتمال لوازم حقوق الإنسان بمفهومها الغربي والتي يجب لتطبيقها أن ترقي أولاً بمواطن لا يكاد يجد رزقاً لمرتبة الإنسان!!. تحدّثوا عن حقوق المواطن في الحياة أولاً قبل أن تملؤوا الدنيا صراخاً عن حقوق (قفا) الناشط وحقّ حرق الآخرين وقطع طرقهم وأرزاقهم، (اطعموا قبل أن تطمعوا) أوكما قيل لبوش الابن يوماً أثناء الانتخابات الأمريكية: إنّه الاقتصاد يا غبي!!

اقرأ أيضا:

محمد الصفتي يكتب لمصراوي: هنا البرنامج العام

الكلمات البحثية:

امراض الربيع | محمد الصفتي | التاريخ الانساني | مقالات مصراوي |

ردود زوار مصراوي على الخبر

اضف تعليق
من أجل عالم أفضل