فى تركيا..الصراع لا يزال مستمرا بين العلمانيين والاسلاميين
12/27/2008 6:05:00 AM
أنقرة - محرر مصراوى - يستحق عام 2008 بالنسبة لتركيا ، أن يوصف بأنه "عام الضباب السياسي" ، بدأ ساخنا وينتهى وقد لف الغموض جوانب الحياة السياسية التى تتشابك فيها خيوط التفاصيل الدقيقة مع تقاطعات القضايا الكبرى التى نشأت مع نشوء الجمهورية التركية فى عام 1923 على يد مصطفى كمال أتاتورك ، وامتدت الى العهد المسمى الآن مجازا بعهد الجمهورية الثانية ، بعد أن انتزع حزب العدالة والتنمية الحاكم ، الذى يوصف بأنه ذو جذور اسلامية، أركان الحكم والسلطة فى الدولة ما عدا الجيش والقضاء .
وقضية تركيا الكبرى، هى الصراع الذى لا يهدأ بين معسكرى العلمانيين والاسلاميين، وهو صراع يتخذ شكل الموجات، أحيانا يعتريه المد الصاخب، وأحيانا يخبو فى جذر مؤقت، وقد استمر هذا الصراع فى عام 2008 بعد أن بلغ ذروته فى عام 2007 وحسمه معسكر الاسلاميين لصالحهم بالفوز بالانتخابات البرلمانية وانتخابات الرئاسة.
وحاول العلمانيون النيل من الاسلاميين بتحريك الذراع القضائى لاقامة دعوى لحظر حزب العدالة والتنمية الحاكم فى مارس الماضى، كانت سببا لأن تعيش تركيا حالة من التوتر والقلق وعدم اليقين، ومرت لحظات توقع فيها الجميع يقينا أن الحزب لن يفلت من هذه الدعوى لأنه فى تاريخ المحكمة الدستورية لم تعرض قضية لحزي سياسي طالب فيها الادعاء العام بحظره الا وتم اغلاقه ، والدليل على ذلك ان هناك 26 حزبا
سياسيا أغلقت جميعها بأحكام من الدستورية العليا .
وانتهت القضية المفزعة، التى عاشت فيها تركيا لأشهر وهى تقف على أطراف أصابعها خوفا على مسيرة الاستقرار الاقتصادى والاصلاح السياسي التى تحققت للبلاد على مدى ست سنوات من حكم العدالة والتنمية الذى برز فى عام 2002 كحزب ليبرالى يجمع تحت عباءته مختلف ألوان الطيف السياسي فى تركيا ولا يجاهر بعدائه لمبادئ أتاتورك .
وكان المعسكر العلمانى واثقا تمام الثقة من أن مصير حزب العدالة والتنمية سيكون الاغلاق لا محالة، الى الحد ، الذى جعل المدعى العام الجمهورى لمحكمة الاستئناف عبد الرحمن يالتشين يؤكد عقب اقامته دعوى اغلاق الحزب وحظر نشاط 71 من أعضائه فى مقدمتهم رئيس الحزب، رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، أن المحكمة الدستورية ستصدر قرارا بإغلاق الحزب وحظر نشاط 40 من أعضائه ، على الأقل .
وفى نهاية يوليو، كما توقع رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، انتهت القضية ولم يغلق الحزب ، وانما تعرض لغرامة مالية، أنقذت تركيا من مصير مظلم، ولم تبعد عن الحزب شبهة التورط فى انشطة مناهضة للعلمانية ليكون القرار بمثابة تحذير للحزب الذى قاد تركيا الى نهضة اقتصادية حقيقية والى السير فى المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي .
والواقع أن اغلاق حزب العدالة والتنمية، الذى فاز باكتساح فى الانتخابات البرلمانية مرتين فى 2002 و2007 وشكل الحكومة بشكل منفرد، كان سيعتبر بمثابة هزيمة للديمقراطية ولارادة الشعب، كما كان سيعرض تركيا للكثير من المشاكل مع الاتحاد الأوروبي ، الذى أصر على أنه لن يتسامح مع اغلاق الحزب عبر حكم قضائى لأن مبادىء الاتحاد لاتعترف بمثل هذا الأمر .
انقشعت السحابة السوداء لقضية اغلاق حزب العدالة والتنمية الحاكم ، لكن الصراع بين المعسكرين العلمانى والاسلامى لم ينته ولن يشهد، على ما يبدو نهاية فى المستقبل القريب ، لأنها تتخذ شكل صراع الوجود والبقاء ، وقد ضغط الفريق العلمانى بكل ما أوتى من قوة فى محاولة للإجهاز على الحزب وإزالة رئيسه رجب طيب أردوغان من الوجود السياسي لأنه أصبح رمزا لضعف وعجز العلمانيين فى تركيا .
كسب الحزب قضية إغلاقه ، وكسب العلمانيون قضية الحجاب ، واجهضوا خطوة رفع الحظر عن ارتداء الحجاب فى الجامعات .
فبعد أن أقر البرلمان فى فبراير الماضى، مشروع القانون الذى تقدم به حزب العدالة والتنمية ، بدعم من حزب الحركة القومية المعارض ، بأغلبية ساحقة وصلت الى 411 صوتا من بين 550 صوتا، قررت المحكمة الدستورية فى 5 يونيو، بطلان القانون الذى صادق عليه الرئيس عبد الله جول متضمنا تعديل المادتين 10و42 من الدستور لرفع حظر الحجاب بالجامعات ، بموجب طعن قدم من حزبي الشعب الجمهورى واليسار الديمقراطي، فيما وصف من جانب خبراء القانون بأنه تجاوز من جانب المحكمة
لصلاحياتها بالنظر فى مضمون التعديلات وليس فى الشكل فقط .
واستنزفت هذه المعركة الكثير من طاقة تركيا وجهدها وانعكس ذلك على المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي ، الذى بدأت انتقاداته لتركيا تتصاعد، وبدأ يحذر بشكل واضح من الانغماس فى المشاكل الداخلية واهمال الاصلاحات لمطلوبة فى اطار عملية المفاوضات والتباطؤ فيها من جانب الحكومة .
ولم تكن هذه هى جميع مكونات الصراع بين المعسكرين العلمانى والاسلامى ، فقد وجه حزب العدالة والتنمية وحكومته، ضربة قاسية للمعسكر العلمانى، من خلال تصعيد الجهود للانتهاء من التحقيات فى قضية منظمة "أرجناكون" الارهابية ، المتهمة بالتخطيط للانقلاب على الحكومة واغتيال رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، واثارة حالة من الفوضى لدفع الجيش للتدخل والامساك بزمام الأمور .
القضية بدأت فعليا منذ عام 2004 حيث وضع اطرافها تحت أنظار أجهزة الأمن التركية بتوجيه من رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان ، وفى يوليو 2007 تفجرت بشكل واضح بعد اكتمال خيوطها وتم الكشف عنها من خلال عملية مداهمات وتفتيش لبعض المنازل فى حى عمرانية فى اسطنبول وتم خلال هذه العملية ضبط كميات من الأسلحة والقنابل ، تبين أنها مهربة من الجيش .
وخلال هذه الحملة تم القبض على الجنرال ولى كوتشوك ، الذى اعتبر قائد المنظمة ، ومن بعد ذلك طالب حملة الاعتقالات سياسيين وصحفيين كبار وفنانين واكاديميين ومحامين وأطباء وجنرالين كبيرين سابقين من قادة لقوات المسلحة ومجموعة من الضباط بعضهم فى الخدمة ، وجميعهم من المرتبطين بالدوائر العلمانية النافذة فى الدولة .
وفى يوليو الماضى اكتملت التحقيقات مع 86 متهما فى المنظمة ووجهت النيابة اليهم 30 اتهاما من بينها تشكيل منظمة ارهابية تستهدف احداث حالة من الفوضى واثارت التوتر فى البلاد لدفع الجيش للتدخل وقلب نظام الحكم والتورط فى عدد من جرائم المافيا والتخطيط لاغتيال رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان وعدد من الشخصيات البارزة بينهم أورهان باموك الفائز بجائزة نوبل للآداب فى 2006 .
وبدأت محاكمة المتهمين فى القضية فى 22 أكتوبر الماضى ، ثم قررت المحكمة الجنائية العليا دمج قضية الهجوم على مجلس الدولة فى مايو 2006 ، والذى أدى الى مقتل قاض وإصابة 4 آخرين اليها لارتباط القضيتين معا ، فى الوقت الذى تتواصل فيه التحقيقات ويضاف متهمون جدد الى القضية .
وعلى الرغم من جميع الضغوط التى تعرضت لها حكومة العدالة والتنمية بسبب قضية إغلاق الحزب إلا أنها واصلت آداءها الاقتصادى ، وحرصت على ألا تتأثر الأوضاع الاقتصادية فى البلاد بشكل كبير نتيجة الأزمات الداخلية ، وواصلت فى الوقت نفسه سياسة خارجية نشطة كان أبرز محطاتها المفاوضات غير المباشرة بين سوريا واسرائيل بوساطة تركية ، والتى عقدت منها أربع جولات فى مدينة اسطنبول ، وتعثر استمرارها بانتظام بسبب الأوضاع السياسية الداخلية فى اسرائيل .
وسعت تركيا أيضا الى لعب دور الوساطة فى الملف النووى الايرانى على غرار الوساطة بين سوريا واسرائيل ، وبدأت بالفعل خطوات لتحقيق مفاوضات غير مباشرة بين ايران والولايات المتحدة ، لكن بدا من الصعب أن يستمر هذا الدور فى ظل غياب الرغبة من الطرفين المعنيين ، كما قام رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان بجهد لمحاولة تهدئة التوتر فى منطقة جنوب القوقاز بعد دخول القوات الروسية جورجيا فى أغسطس وطرح مبادرة لانشاء تحالف الأمن والاستقرار والتعاون فى القوقاز لمنع التدخل الأجنبي ، لكن المبادرة لا تزال تراوح مكانها بسبب المعارضة التى ابدتها واشنطن وعدم تحمس الأطراف فى المنطقة لها بشكل عملى .
وعادت تركيا بشكل كبير الى منطقة الشرق الأوسط ، كما واصلت جهودها من أجل تحسين العلاقات بين أفغانستان وباكستان من خلال لقاءات على أعلى المستويات ، وحققت خطوة انفتاحية جدية على افريقيا من خلال مؤتمر التعاون التركي الافريقى الأول فى اسطنبول فى أغسطس الماضى ، كما انعقد مؤتمر التعاون التركي العربي الأول فى اسطنبول فى اكتوبر .
وكانت تركيا تأمل من وراء جهودها على ساحة السياسة الخارجية تقوية مركزها فى المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي ، إلا أن هذه الجهود لم تشفع فى النهاية لتركيا لدى الاتحاد ، الذى واصل الضغط على تركيا فى الملفات التقليدية مثل حقوق الأقليات وحرية التعبير والمشكلة الكردية ، ليصبح عام 2008 عاما من أسوأ الأعوام فى المفاوضات بين تركيا والاتحاد ، ولم يختلف بذلك عن عام 2007 ، الذى انشغلت فيه
تركيا بالصراع التقليدى ، العلمانى الاسلامي .
ورأى الاتحاد الأوروبي أن كل ما تبذله تركيا من جهود على ساحة السياسة الخارجية لا يمثل شيئا فى مسيرة مفاوضاتها المتعثرة وأن الحكومة التركية فشلت فى الوفاء بالتزماتها تجاه الاتحاد وأبطأت مسيرة الاصلاحات وان الاتحاد ليس مسئولا عن تأخر انضمامها الى عضويته، وأن المفاوضات تقوم على استيفاء المعايير وليس على قضايا سياسية أو اقتصادية .
فى الوقت نفسه، رأت تركيا أن الاتحاد لم يلتزم بما تعهد به فى اطار المفاوضات وأنه يعطل مفاوضاته معها بسبب قضايا سياسية مع أن المفاوضات هى عملية فنية فى الأساس ، وذلك بسبب مواقف بعض دول الاتحاد وفى مقدمتها فرنسا رئيس الدورة الحالية للاتحاد الأوروبي .
وقطعت تركيا خطوة أخرى مهمة وصفت بانها خطوة تاريخية على صعيد تطبيع العلاقات مع أرمينيا وانهاء القطيعة التاريخية بين البلدين، من خلال الزيارة التى قام بها الرئيس عبد الله جول لأرمينيا فى السادس من سبتمبر الماضى، وحضر خلالها مباراة منتخبى تركيا وأرمينيا فى التصفيات المؤهلة لكأس العالم .
وتم خلال الزيارة توظيف دبلوماسية كرة القدم للقفز على ارث الدماء بين البلدين الجارين ، وسعت تركيا أيضا الى تحقيق التقارب بين أرمينيا وأذربيجان من أجل فتح الباب أمام انهاء مشكلة اقليم ناجورنوكارباباخ المتنازع عليه بينهما واعتبرت أن الموضوعين " تطبيع علاقاتها مع أرمينيا وحل مشكلة اقليم ناجورنوكاراباخ " حزمة واحدة .
وواصلت تركيا خلال عام 2008 صراعها ضد الارهاب سواء فى ثوبه الأصولى مثملا فى هجمات تنظيم القاعدة التى لم تتوقف ، وكشفت عن نفسها مرة أخرى فى الهجوم على القنصلية الأمريكية فى اسطنبول فى يوليو الماضى ، والذى راح ضحيته 3 ضباط شرطة وثلاثة من المهاجمين ، أو فى استمرار الكفاح ضد نشاط منظمة حزب العمال الكردستانى سواء داخل البلاد ، أو فى شمال العراق .
وتوالت الضربات التى وجهها الجيش التركي للمنظمة مفتتحا العام بعملية برية استمرت 8 أيام وقتل فيها 270 من عناصر المنظمة فى زاب وجبال قنديل وغيرها من المعسكرات فى شمال العراق ، مما دفع المنظمة الى تصعيد عملياتها ضد تركيا .
لكن هذا العام شهد متغيرات نوعية عديدة ، أبرزها التحول النوعى فى أسلوب مواجهة نشاط المنظمة التى صعدت عملياتها بشدة ونفذت عملية مؤثرة فى محافظة هكارى فى جنوب شرق البلاد فى أكتوبر ، حيث هاجمت موقعا لقوات الدرك وقتلت 20 جنديا، مما دفع تركيا الى التفكير فى تعزيز اجراءاتها فى مجال مكافحة الارهاب ، وعدم التركيز فقط على الجوانب العسكرية وتطبيق منظور شامل يراعى الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية.
ومما اسهم فى بلورة هذا التوجه الجديد هو التناغم الذى بدأ يظهر بشكل قوى بين الحكومة والمؤسسة العسكرية ، وهو ما أدى الى فتح قنوات اتصال مع الادارة الكردية فى شمال العراق ، لضمها الى جهود مكافحة الارهاب .
وأثمرت هذه التحولات فى بلورة آلية تعاون وتنسيق ثلاثية تركية أمريكية عراقية لمكافحة الارهاب لم تقص أكراد شمال العراق للمرة الأولى ، وتتوقع تركيا أن تسهم هذه الالية فى اتخاذ خطوات مهمة وفعالة فى القضاء على تواجد المنظمة فى شمال العراق .
ولم تخرج تركيا من أزمات عام الضباب السياسي بلا خسائر، فقد انعكست حالة التوتر السياسي والانشغال بها على الأوضاع الاقتصادية وتحديدا على معدل النمو الذى هبط للمرة الولى الى حدود 3% بعد أن استقرت عند 7% خلال السنوات الست الماضية ، وضياع ما يقرب من نصف الاستثمارات الأجنبية التى بلغت فى العام الماضى 20 مليار دولار ولم تتجاوز هذا العام 12 مليارا .
حدث هذا قبل أن تلقى الأزمة المالية العالمية ظلالها الثقيلة على تركيا مثلها مثل باقى دول العالم ، وإن كانت الحكومة التركية اصرت على أن تركيا كانت القل تضررا من الأزمة ، وأنها ستحولها الى فرصة للاستفادة منها .
ولأن تركيا لا يمكن أن تهدأ أو تختفى منها فرص اشتعال الجدل والنقاشات الساخنة ، فإن عام 2008 شهد وهو يلملم أوراق الأخيرة عودة جديدة الى الصراع التقليدى ، بين العلمانيين وحزب العدالة والتنمية الحاكم ، فى الفترة التى تتأهب فيها تركيا للانتخابات المحلية التى ستجرى فى 29 مارس المقبل .
بدأ من الآن الصراع الذى تباح فيه كل الأسلحة بداية من استطلاعات الرأى الى اللعب بالقضايا التقليدية كالحجاب والأقليات ، والنزعة القومية ، الى الحرب النفسية التى يسلم البلاد والشارع التركي الى حالة الغموض والضبابية حتى تتضح معالم الصورة من جديد .

يستحق عام 2008 بالنسبة لتركيا ، أن يوصف بأنه "عام الضباب السياسي" ، بدأ ساخنا وينتهى وقد لف الغموض جوانب الحياة السياسية التى تتشابك فيها خيوط التفاصيل الدقيقة مع تقاطعات القضايا الكبرى التى نشأت مع نشوء الجمهورية التركية فى عام 1923 على يد مصطفى كمال أتاتورك ، وامتدت الى العهد المسمى الآن مجازا بعهد الجمهورية الثانية ، بعد أن انتزع حزب العدالة والتنمية الحاكم ، الذى يوصف بأنه ذو جذور اسلامية، أركان الحكم والسلطة فى الدولة ما عدا الجيش والقضاء .