|
بقلم: د.محمد العبادى
في اختتام اجتماع لها بمكتبة الإسكندرية في مصر مؤخرًا، نشرت أكاديمية العالم النامي للعلوم "TWAS" تقريرا لها يحوى بيانات موجعة، صحيح أنها متداولة دوما ومطروحة على بساط الحديث دوما، لكنها بمثابة طرقات متتالية ربما تفلح هذه المرة فى إيقاظنا من سبات عميق طال أمده.
وبيانات التقرير تؤكد أنه في عام 2004 خصصت الدول العربية ـ مجتمعة ـ للبحث العلمي ما يعادل 1.7 مليار دولار فقط، أي ما نسبته 0.3 % من الناتج القومي الإجمالي لهذه الدول، ففي الوقت الذي أنفقت فيه الدول العربية ـ خلال الثلاثين عامًا الماضية ـ أكثر من تريليون دولار على المشروعات التي تخدم أغراضًا عسكرية، فإن حجم الاستثمار في البحث العلمي، ما يزال أقل من 0.2% من الدخل القومي لهذه الدول، مقارنة بنسبة 1.6% في شرق آسيا والباسفيك، و2.6% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ولأن الدول العربية مجتمعة مازالت تتعامل مع البحث العلمى على أنه نوع من الترف والرفاهية، فى الوقت الذى ينظر العالم المتقدم علميًّا إليه على أنه المستقبل، فإن الكثير من علماؤنا العرب آثروا الهجرة إلى الخارج. ويكفى أن نذكر أن هناك حوالي عشرة آلاف مهاجر مصري يعملون في مواقع حساسة بالولايات المتحدة الأميركية، من بينهم 30 عالمًا في مجال الذرة يخدمون حاليًّا في مراكز الأبحاث النووية، ويشرف بعضهم على تصنيع وتقنية الأسلحة الأميركية الموضوعة تحت الاختبار. كما يعمل 350 باحثاً عربيًّا في الوكالة الأميركية للفضاء (ناسا).. منهم العالم المصري "فاروق الباز"، الذي يرأس حاليًّا مركز الاستشعار عن بُعد في جامعة بوسطن، إضافة إلى حوالي 300 آخرين، يعملون في المستشفيات والهيئات الفدرالية، وأكثر من 100 متخصص بشؤون الكمبيوتر والحاسبات الآلية، خصوصاً في ولاية نيوجرسي، التي تضم جالية عربية كبيرة. الحقيقة الثانية من العيار الثقيل التى كشف عنها التقرير أن معدل النشر العلمي في الدول العربية لا يتعدى 6.1% من إجمالي النشر في العالم، إضافة إلى أنه خلال الألف عام الماضية تمت ترجمة مائة ألف كتاب إلى اللغة العربية، وهو ما يعادل عدد الكتب التي تترجم إلى الإسبانية كل عام، فيما تنشر أميركا الشمالية مائة ألف كتاب سنويًّا مقابل 6.500 كتاب في العالم العربي. وفي الوقت الذي بلغت فيه تكلفة ما صرفته الجامعات العربية على البحث العلمي طوال 50 سنة 2.5 مليار دولار، نجد أن جامعة مثل (آلينوي) بالولايات المتحدة، قد أنفقت على البحث العلمي خلال عام واحد 1.5 مليار دولار. ويكمن الفارق الرئيس بين النشاط العلمي في الوطن العربي، وفي دول متقدمة في العالم الثالث، كالصين والهند وكوريا الجنوبية والبرازيل، في أنّ الأخيرة قد قامت بإنشاء منظومة قومية لنشر المعرفة في أرجاء الدولة، فيما لم يتم بعد تطوير مثل هذه المنظومة في الوطن العربي. لذا ينبغى مواجهة المشاكل الاقتصادية المزمنة التي تعاني منها بعض الدول العربية، والتي تلقي بظلالها على مسيرة التقدم والتنمية والبحث العلمي فيها، من خلال العمل على تعظيم الاستثمار، وإصلاح السياسات العلمية والتكنولوجية، وتطوير التعليم العلمي، وتحديث المؤسسات البحثية في الجامعات وإنشاء أكاديميات علمية وطنية.
|