|
بعد أن عقد الرسول صلى الله عليه وسلم صلح الحديبية وأصبح فى مأمن من ناحية الجنوب جاءته أنباء مقلقة من ناحية الشمال فقد وصلته الأخبار بأن يهود خيبر بدأوا يكونون جبهة مناوئة للإسلام بالتعاون مع غطفان والأعراب الضاربين حولهم فكان على الرسول والمسلمين أن يتحركوا بسرعة لضرب هذا المخطط الجديد قبل أن يتم إعداده. وهكذا لم يأخذ المسلمون قسطا من الراحة بعد الحديبية بل أرغمهم يهود خيبر ومن تآمر معهم على أن يتوجهوا بعد عودتهم من الحديبية آخر السنة السادسة ليستأنفوا القتال في شهر المحرم من السنة السابعة على القول الراجح. وكانت خيبر مستعمرة يهودية تضمن قلاعا حصينة وقاعدة حربية لليهود وقد تجمع فيها كثير من يهود قينقاع وبني النضير الذين أجلاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن ديارهم ولذلك كانت خيبر تعتبر آخر معقل من معاقل اليهود فى جزيرة العرب، وقد كانوا يضمرون الحقد والكراهية للإسلام والمسلمين وأرادوا أن يتزعموا لواء التصدي والعداء للرسول بعد أن قامت قريش بصلح الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بجيشه وكانوا ألفا وستمائة مقاتل منهم مائتا فارس ، وكان مع الجيش نساء خرجن لمداواة المرضى وخدمة الجرحى وفى الطريق كان المسلمون يرتجزون فكان عامر بن الاكوع يقول: ولا تصدقنا ولا صلينا والله لولا الله ما اهتدينا
وإن أرادوا فتنة أبينا إنا إذا قوم بغوا علينا
وثبت الأقدام إن لاقينا فأنزلن سكينة علينا وقد قسم الرسول الجيش إلى قسمين أعد القسم الأكبر لمهاجمة حصون اليهود حصنا حصنا وأنطلق القسم الآخر إلى الطريق بين خيبر وغطفان لقطع الاتصال بينهما وليحول بين غطفان ومساعدتها ليهود خيبر.
وقد خرجت غطفان لتظاهر اليهود فلما ساروا مرحلة سمعوا خلفهم فى أهليهم حسا فظنوا ان المسلمين خالفوهم إليهم فرجعوا على أعقابهم فأقاموا فى أهليهم وأموالهم وخلوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين خيبر. ولما أشرف المسلمون على خيبر وتراءت لهم حصونها المنعية الكثيرة دعا الرسول صلى الله عليه وسلم وسأل الخير واستعاذ من شرها وشر أهلها فقال: اللهم رب السماوات وما أظللن، ورب الارضين وما اقللن، ورب الشياطين وما اضللن، ورب الرياح وما اذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير ما فيها ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها، ثم قال أقدموا بسم الله وكان الرسول إذا أتى قوماً بليل لم يغر عليهم حتى يصبح فإن سمع أذانا كف عنهم وإلا أغار فنزل خيبر ليلا فلما أصبح لم يسمع أذنا فركب وركب القوم واستقبلوا عمال خيبر غادين إلى حقولهم بمساحيهم وبمكاتلهم ففوجئوا بالمسلمين يسرون نحوهم فارتدوا إلى حصونهم فزعين وهم يقولون محمد والخميس. فلما رآهم النبى يهرعون إلى حصونهم أراد أن يقذف فى قلوبهم الرعب فصاح (الله اكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذر) وردد أصحابه بالتكبير فدوى صوتهم فى الفضاء وتردد صداه فملا الجو فزعا ورعبا واقتحم المسلمون يفتحون حصون اليهود واحدا بعد الآخر ويستولون على ما فيها من أموال وسلاح فسقط حصن ناعم ثم القموص حصن ابن أبى الحقيق.. وغيرهما وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر يا منصور أمت. وفى خلال هذه المعارك التي تمت بين أصحاب رسول الله وبين اليهود حدثت بطولات وتضحيات وتمت عدة مبارزات فقد خرج من حصون اليهود فارس يدعى مرحبا حمل سلاحه وهو يرتجز قائلا: شاكى السلاح بطل مجرب قد علمت خيبر أنى مرحب
أطعن أحيانا وحينا أضرب إذا الليوث اقبلت تجرب
إن حماي للحمى لا يقرب
ثم صار ينادى ويقول من يبارز؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لهذا ؟ فقال محمد بن سلمة أنا له يا رسول الله أنا والله الموتور الثائر قتل أخي بالأمس فقال: قم إليه اللهم أعنه عليه فصارا يتجاولان بسيفيهما حتى قتله محمد بن سلمة ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر فقتلة الزبير بن العوام. وفى راوية أخرى أن الذى قتل مرحبا هو على بن أبى طالب فقد ذكر الرواة أنه فى أحد أيام الحصار لحصون خيبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأعطين اللواء غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه فبات الناس يذكرون أيهم يعطاها فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها فقال: أين على بن أبى طالب؟ فقالوا يا رسول الله هو يشتكى عينية قال فأرسلوا إليه فأتى به فبصق رسول الله فى عينية ودعا له فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم أدعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه فوالله لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير من أن يكون لك حمر النعم، فخرج مرحب وهو يقول. كليث غابات كريه المنظره أنا الذي سمتني أمي حيدرة
أوفيهم بالصاع كيل السندره فضرب مرحبا فعلق هامته وحدث أيضا أن كان فى جيش المسلمين رجل من الأعراب كان يقوم بمهمة الحراسة خلف ظهور المسلمين وغنم المسلمون شيئا فقسمة الرسول بين المقاتلين ومنهم هذا الرجل فلما دفعوه إليه قال ما هذا؟ قالوا قسم لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذه فجاء به إلى النبى فقال ما هذا يا رسول الله؟ قال قسم قسمته لك قال: ما على هذا اتبعتك ولكن اتبعتك على أن أرمى ههنا وأشار إلى حلقة – بسهم – فأموت فأدخل الجنة فقال الرسول: إن تصدق الله يصدقك ثم نهضوا على قتال العدو فأتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مقتول فقال أهو هو؟ قالوا نعم قال صدق الله فصدقة فكفنه النبي في جبته ثم قدمه فصلى عليه وكان من دعائه له: اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا فى سبيلك قتل شهيدا وأنا عليه شهيد. وبمثل هذه النماذج يكتب النصر وتتم الفتوحات وقد استطاع الرسول بهم أن يفتح كثيرا من حصون خيبر رغم قوتها وشدة حصانتها ولم يبق من حصونهم إلا (الوطيح والسلالم) فحاصرهم الرسول بضع عشرة ليلة حتى أيقن اليهود بالهلكه ويئسوا من المقاومة فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح وحقن الدماء، وأراد الرسول ان يجليهم من ديارهم فسألوه أن يبقهم بأرضهم وقالوا نحن أعلم بها منكم وأعمر لها فصالحهم رسول الله على النصف على أنه أذا شاء أن يخرجهم أخرجهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث إليهم عبد الله بن رواحة فيخرض عليهم ويجعل ذل نصفين فيخيرهم أن يأخذوا أيهما شاءوا فيقولون بهذا قامت السماوات والأرض. وكان من بين الغنائم التي غنمها المسلمون في عزوة خيبر صحائف متعددة من التوراة فلما جاء اليهود يطلبونها أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتسليمها لهم. وكان صفية بنت حيي بن أخطب النضري بين أسرى اليهود يومئذ فأكرمها النبي لمكانتها بين قومها وأعتقها ثم تزوجها بعد تمام الفتح. وبرغم سماحة النبى صلى الله عليه وسلم فى معاملة اليهود وإبقائهم فى أرضهم ألا أنهم غدروا به وحاولوا قتله وقد تمثل ذلك فيما فعلته زينب بنت الحارث إمراة سلام بن مشكم فقد أهدت له شاة مشوية مسمومة وسألت أي اللحم أحب إليه؟ فقالوا الذراع فأكثرت من السهم فى الذراع، فلما أكل الرسول من الذراع أخبره بأنه مسموم فلفظ الأكلة وجيء بزينب فسألها الرسول عن هذه المحاولة الآثمة فقالت: أردت قتلك فقال لها: ما كان الله ليسلطك علي فلما مات بشير بن البراء معرور وكان قد أكل مع الرسول هذه الشاة فمات أمر الرسول بقتلها قصاصاً.
|