الاحد,23 مايو , 2010 -14:52
يجيب على هذه الفتوى الدكتور عبد الله سمك : لايجب على المديون دفع الزكاة ، وبالتالي لايعتبر تسديد الديون داخلا فيه الزكاة .
وإليك أقوال العلماء في ذلك :
أولا:الفراغ من الدّين : شّرط معتبر من حيث الجملة عند جمهور الفقهاء ومنهم الشّافعيّ في قديم قوليه ، وعبّر بعضهم بأنّ الدّين مانع من وجوب الزّكاة.
فإن زاد الدّين الّذي على المالك عمّا بيده فلا زكاة عليه ، وكذا إن لم يبق بيده بعدما يسدّ به دينه نصاب فأكثر.
واحتجّوا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ قَالَ : إنَّك تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَادْعُهُمْ إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ؛ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ ؛ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ ) رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ .
ومن عليه ألف ومعه ألف فليس غنيًّا ، ولقول عثمان رضي الله عنه: هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤدّه وليزكّ بقيّة ماله.
ولا يعتبر الدّين مانعًا إلاّ إن استقرّ في الذّمّة قبل وجوب الزّكاة ، فأمّا إن وجب بعد وجوب الزّكاة لم تسقط ; لأنّها وجبت في ذمّته ، فلا يسقطها ما لحقه من الدّين بعد ثبوتها.
وذهب الشّافعيّ في الجديد ، وحمّاد ، وربيعة إلى أنّ الدّين لا يمنع الزّكاة أصلًا ; لأنّ الحرّ المسلم إذا ملك نصابًا حولًا وجبت عليه الزّكاة فيه لإطلاق الأدلّة الموجبة للزّكاة في المال المملوك.
ثانيا: الأموال الّتي يمنع الدّين زكاتها والّتي لا يمنع :
أمّا الأموال الباطنة وهي النّقود وعروض التّجارة فإنّ الجمهور القائلين بأنّ الدّين يمنع الزّكاة ذهبوا إلى أنّ الدّين يمنع الزّكاة فيها ، ولو كان من غير جنسها على ما صرّح به المالكيّة.
وأمّا الأموال الظّاهرة وهي السّائمة والحبوب والثّمار والمعادن فذهب الجمهور «المالكيّة والشّافعيّة على قولٍ والحنابلة في الرّواية المعتمدة في المذهب» إلى أنّ الدّين لا يمنع وجوب الزّكاة فيها ، روي عن أحمد أنّه قال: لأنّ المصدّق إذا جاء فوجد إبلًا أو بقرًا أو غنمًا لم يسأل: أيّ شيءٍ على صاحبها من الدّين ، وليس المال - يعني الأثمان - هكذا.
والفرق بين الأموال الظّاهرة والباطنة أنّ تعلّق الزّكاة بالظّاهرة آكد ; لظهورها وتعلّق قلوب الفقراء بها ; ولأنّ الحاجة إلى حفظها أوفر ، فتكون الزّكاة فيها آكد.
واستثنى الحنابلة على الرّواية المشهورة الدّين الّذي استدانه المزكّي للإنفاق على الزّرع والثّمر ، فإنّه يسقطه لما روي عن ابن عمر:
يخرج ما استدان أو أنفق على ثمرته وأهله يزكّي ما بقي.
وذهب الحنفيّة إلى أنّ الدّين يمنع الزّكاة في الأموال الباطنة وفي السّوائم ، أمّا ما وجب في الخارج من الأرض فلا يمنعه الدّين ، كما لا يمنع الخراج ، وذلك لأنّ العشر والخراج مؤنة الأرض ، ولذا يجبان في الأرض الموقوفة وأرض المكاتب وإن لم تجب فيهما الزّكاة.
وذهب الحنابلة في روايةٍ إلى أنّ الدّين يمنع الزّكاة في الأموال الظّاهرة والباطنة ، ونقله ابن قدامة عن الثّوريّ وإسحاق واللّيث والنّخعيّ.
ثالثا: الدّيون الّتي تمنع وجوب الزّكاة :
ذهب الحنفيّة إلى أنّ الدّين الّذي يمنع وجوب الزّكاة هو ما كان له مطالب من جهة العباد سواء كان دينًا للّه كزكاةٍ وخراجٍ ، أو كان للعباد ، وسواء كان حالًّا أو مؤجّلًا ، ولو صداق زوجته المؤجّل للفراق ، أو نفقةً لزوجته ، أو لقريبٍ لزمته بقضاءٍ أو تراضٍ ، وكذا عندهم دين الكفالة ، قالوا: لأنّ الكفيل محتاج إلى ما بيده ليقضي عنه دفعًا للملازمة أو الحبس. أمّا ما لم يكن له مطالب من جهة العباد فلا يمنع وجوب الزّكاة ، قالوا: كدين النّذر والكفّارة والحجّ ، ومثلها الأضحيّة ، وهدي المتعة ، ودين صدقة الفطر.
وذهب المالكيّة إلى أنّ زكاة المال الباطن يسقطها الدّين ولو كان دين زكاةٍ ، أو زكاة فطرٍ ، أو كان للعباد حالًّا كان أو مؤجّلًا ، أو كان مهر زوجةٍ أو نفقة زوجةٍ مطلقًا ، أو نفقة ولدٍ أو والدٍ إن كان قد حكم بها القاضي.
واختلف قول المالكيّة في مثل دين الكفّارة والهدي الواجب فاختار منها خليل وابن راشدٍ القفصيّ أنّه لا يمنع وجوب الزّكاة لعدم المطالب من العباد ، واختار ابن عتّابٍ أنّه يمنع لأنّ الإمام يطالب الممتنع بإخراج ما عليه من مثل هذه الدّيون.
وذهب الحنابلة إلى أنّ دين الآدميّ مطلقًا يمنع وجوب الزّكاة ، أمّا دين اللّه ففي قولٍ: يمنع وفي قولٍ: لا.
رابعا: شروط إسقاط الزّكاة بالدّين :
القائلون بأنّ الدّين يسقط الزّكاة في قدره من المال الزّكويّ ، اشترط أكثرهم أن لا يجد المزكّي مالًا يقضي منه الدّين سوى ما وجبت فيه.
فلو كان له مال آخر فائض عن حاجاته الأساسيّة ، فإنّه يجعله في مقابلة الدّين ، لكي يسلم المال الزّكويّ فيخرج زكاته.
ثمّ قد قال المالكيّة والحنابلة: إنّه يعمل بذلك سواء كان ما يقضي منه من جنس الدّين أو غير جنسه.
فلو كان عليه دين مائتا درهمٍ وعنده عروض قنيةٍ تساوي مائتي درهمٍ فأكثر وعنده مائتا درهمٍ ، جعل العروض في مقابلة الدّين لأنّه أحظّ للفقراء. وكذا إن كان عليه دين وله مالان زكويّان ، لو جعل أحدهما في مقابل الدّين لم يكن عليه زكاة ، ولو جعل الآخر في مقابلة الدّين كان عليه زكاة ، فإنّه يجعل في مقابلة الدّين ما هو أحظّ للفقراء .
كمن عليه دين مائة درهمٍ وله مائتا درهمٍ وتسع من الإبل ، فإذا جعلنا في مقابلة الدّين الأربعة من الإبل الزّائدة عن النّصاب لكون الأربعة تساوي المائة من الدّراهم أو أكثر منها وجب ذلك رعايةً لحظّ الفقراء ، لأنّنا لو جعلنا ممّا معه من الدّراهم مائةً في مقابلة الدّين سقطت زكاة الدّراهم.
وذكر المالكيّة أيضًا ممّا يمكن أن يجعل في مقابلة الدّين فيمنع سقوط الزّكاة: الدّين الحالّ المرجوّ ، والأموال الزّكويّة الأخرى ولو جرت تزكيتها ، وأنّ العرض يقوّم وقت الوجوب ، وأخرجوا من ذلك نحو البعير الشّارد ، والمال الضّائع ، والدّين المؤجّل أو غير المرجوّ لعدم صلاحيّة جعله في مقابلة الدّين الّذي عليه.
ومذهب الحنفيّة - ومثله حكي عن اللّيث بن سعدٍ على ما نقله صاحب المغني وهو رواية عن أحمد على ما ذكره صاحب الفروع - أنّ من كان عنده مال زكويّ ومال غير زكويٍّ فائض عن حاجته الأساسيّة وعليه دين فله أن يجعل في مقابلة الدّين المال الزّكويّ ، ولو من غير جنسه ، فإن بقي منه نصاب فأكثر زكّاه وإلاّ فلا زكاة عليه ، قالوا: لأنّ غير مال الزّكاة يستحقّ للحوائج ، ومال الزّكاة فاضل عنها ، فكان الصّرف إليه أيسر ، وأنظر بأرباب الأموال.
قالوا: ولو كان له مالان زكويّان من جنسين أو أكثر جاز له أن يجعل أيًّا منهما أو بعضه في مقابلة الدّين والخيار له.
فلو كان عنده دراهم ودنانير وعروض تجارةٍ وسوائم يصرف الدّين لأيسرها قضاءً .